الاثنين 28 سبتمبر 2020
كتاب الرأي

جمال المحافظ: إلغاء ظهير كل ما من شأنه بين دينامية وزير وإصرار معارضة

جمال المحافظ: إلغاء ظهير كل ما من شأنه بين دينامية وزير وإصرار معارضة جمال المحافظ

على الرغم مما يمكن أن يكون قد أثاره من جدل الحوار المطول الذي خص به مؤخرا مشيشي العلمي الإدريسي وزير العدل الأسبق، إحدى الصحف الوطنية حول سياقات إلغاء ظهير 1935 لدى أوساط سياسية وبرلمانية، لاسيما تلك التي اقترحت إلغاء هذا التشريع، فإن الأهم هو تسليط الضوء على مرحلة هامة من حياتنا السياسية، والتي كشفت عن دينامية وزير واصرار معارضة على إقبار قانون كان يحلو للطبقة السياسية والحقوقية والصحفية تسميته بـ "كل ما من شأنه أن"...

 

فمنذ أول تجربة برلمانية في سنة 1963، وما كان يتردد سنة  1964على لسان عبد اللطيف بنجلون رئيس الفريق الاتحادي، تواترت المبادرات التشريعية الرامية إلى إلغاء هذا الظهير، في مقدمتها المقترحين اللذين قدمهما الفريق الاستقلالي الأول سنة 1978 عبر عبد الكريم غلاب و1984 محمد العربي المساري وغلاب، قبل أن يصادق مجلس النواب سنة 1994 بالإجماع على إلغاء الظهير  المتعلق بـ "زجر المظاهرات المخالفة للنظام العام وبردع ما يمس بالاحترام الواجب للسلطة"، وذلك بناء على مقترح قانون مشترك استقلالي واتحادي.

 

وينص ظهير "كل ما من شأنه"، على عقوبة بخمس سنوات سجنا على "كل من يحرض بأي محل كان وبأية واسطة على المقاومة الفعالة والهادئة (أي أظهر مجرد معارضة ولم يمتثل للأوامر)، لإجراء العمل بالقوانين أو القرارات أو الضوابط أو الأوامر الصادرة عن السلطة العمومية"؛ وأيضا على "كل من بحث على الإقلاق وتشويش البال أو على المظاهرات، أو كان هو السبب لها، وكل من قام بعمل محلولا به تعكير صفو النظام العام والسلامة والأمن".

 

 بيد أنه في الوقت الذى كان يتعين بعد الحصول على الاستقلال، إلغاء هذا ظهير 35 الموقع من لدن الكومسير المقيم العام  الفرنسي هنرى بونو، بعد أن اطلع عليه وأذن بنشره محمد المقري الذى اختارته سلطات الحماية في منصب الصدر الأعظم، أدخلت الحكومة تعديلا شكليا عليه سنة 1969 وتكرس بذلك وجوده، ليتم الاستناد على هذا التشريع الاستعماري في متابعة وسجن العديد من النشطاء السياسيين والصحفيين والنقابين والطلبة.

 

في معرض حديثه عن سياقات قرار إلغاء قانون كل ما من شأنه، قال مشيشي في حواره الصحفي  "هذا العبد الفقير لله هو الذي استطاع، أن يلغي هذا الظهير في وقت كان فيه النقاش محتدما في البرلمان"؛ موضحا "كنت أعرف -بعد تقديم اقتراح التعديل- بأن المناقشة سوف تصل إلى ما شاءت أن تصل إليه، لكن سيتم في نهاية المطاف التصويت ضد التعديل، لأن الأغلبية البرلمانية كانت ضده".

 

وبناء على ذلك أشار مدير المعهد العالي للإعلام والاتصال الأسبق إلى أنه طلب لقاء الملك الحسن الثاني، وأخبره خلال استقباله له بوقائع النقاش الدائر في البرلمان، والتمس منه أن يصدر أمره إلى وزيره، بأن يقبل المقترح ويلغي ظهير كل ما من شأنه الذى يشكل "خرقا للشرعية".

 

ولشرعنة ممارسات سلطات الحماية القمعية وتبريرها، أحاطت السلطات الاستعمارية هذا الظهير بالغموض، ليتسنى لها تلفيق التهم لعناصر الحركة الوطنية وقمع المظاهرات والاحتجاجات والاضرابات النقابية، خارقة في ذلك مبدأ قانوني أساسي المتعلق بـ ى"لا جريمة ولا عقاب بدون وجود نص".

 

وردا على سؤال للصحيفة، حول كيف كان رد فعل البرلمانيين، بعدما أخبرهم بأن الراحل الحسن الثاني أذن بإلغاء الظهير؟، قال مشيشي "بطبيعة الحال، تصرف العديد منهم كالأبواق مدعين بأنهم انتصروا، ونجحو في إلغاء الظهير، فيما كنت أنا أبتسم. لأنني كنت أعرف الحقيقة. إذ ما يزيد عن ثلاثين عاما كانوا يناضلون من أجل إلغاء هذا الظهير، لكن أحدا منهم لم يستطع إلغائه". غير أن تصويت البرلمان بالإجماع على مقترح المعارضة على إلغاء هذا الظهير، بعدما عارضت ذلك الحكومات المتتالية، اعتبر سابقة في العمل التشريعي البرلماني، وشكل خطوة هامة في طريق إقرار عدد من حقوق التعبير بما فيها حق التظاهر والرأي.

 

وفي هذا السياق، عبر النائب الاتحادي عبد القادر باينة قد عبر، خلال جلسة التصويت، عن المقترح المشترك الذى قدمه رفقة زميله بفريقه مصطفى كنعان مع عبد الكريم غلاب وعبد الهادي القباب من الفريق الاستقلالي، (عبر) عن الأمل في أن يشكل قرار الغاء هذا الظهير، فرصة لفتح سلوك جديد، يجعل حدا لكل مظهر يكرس أساليب الماضي، والعمل على تحقيق تغيير حقيقي في السلوك والممارسات وضمان الحريات العامة والفردية وصيانة حقوق الإنسان والحفاظ على كرامة المواطن، في حين شدد  غلاب على ضرورة أن يتسم التشريع الوطني، بروح الحرية والاستقلال وضمان الحق والعدل وحقوق الانسان لجميع المواطنين، وأن تهيمن على كل التشريعات روح التحرر العالمي التي يدشنها القرن 21.

 

أما علي يعتة عن فريق التجديد والتقدم، فوصف إجماع النواب على الغاء ظهير 35 الذى كان أيضا موضوع توصية من المناظرة الوطنية الأولى للإعلام والاتصال سنة  1993 بـ "الخطوة الهامة، على درب دولة الحق والقانون، وانتصار يأتي بعد كفاح طويل وتقدما ملموسا فيما يخص تطهير التشريع المغربي من رواسب الاستعمار، مؤشرا على تطور هام لا بد من العمل على تثبيته وتعميقه وتوسيعه.

 

ومن جهة أخرى كشف مصطفى كنعان، في بوح خاص، أن المرحوم عبد الرحمان اليوسفي الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، الذى سبق أن أوصى بتقديم المقترح  المشترك، كان يتابع عن كثب مسار المناقشات الجارية بالبرلمان ويحث على بذل كافة الجهود من أجل إلغاء هذا الظهير  الموروث عن  المرحلة الاستعمارية.

 

وكان قرار الغاء هذا الظهير، لقي في حينه، ارتياحا واسعا لدى الأوساط السياسية والحقوقية، لـ "ما يرمز  إليه من تطلع إلى ولوج  مرحلة تقطع مع الماضي، وترسى دعائم واضحة لدولة الحق والقانون، كما جاء في بيان مشترك صادر في 20 يوليوز 1994 عن أحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ومنظمة العمل الديمقراطي.

 

وفي ظرف أسبوع واحد، بعد إلغاء ظهير  35، أعلن الراحل الحسن الثاني في ثامن يوليوز في خطاب عيد الشباب، عن الإفراج عن 424 معتقلا سياسيا وحقوقيا، تفعيلا لمقتضيات دستور 1992 الذى نص في ديباجته لأول مرة  على الالتزام بحقوق الإنسان كما هو متعارف عليها عالميا، وهي إجراءات كانت تندرج في سياق التحضير لتجربة التناوب التي دشنت بانتخاب عبد الواحد الراضي رئيسا لمجلس النواب وتعيين عبد الرحمان اليوسفي وزيرا أول سنة 1998.