الأحد 31 مايو 2020
فن وثقافة

بوتونس وعاطر  في"فصل من الحياة"..الرسالة أبلغ من العمل! 

بوتونس وعاطر  في"فصل من الحياة"..الرسالة أبلغ من العمل!  محمد عاطر
"فصل من الحياة" فيلم قصير وبإمكانات محدودة، لكنه درس في الإنسانية ورسالة قوية لرد الاعتبار لعامل النظافة. فيلم مثل وخزة إبرة تدمي قلوبنا المتحجرة ونظرتنا التحقيرية لوظيفة عامل النظافة التي توجد في أسفل الهرم الاجتماعي. يكفي أن لهجتنا الدارجة تواطأت مع الظلم الاجتماعي لتكوين صورة حاطة بالكرامة الإنسانية، حين نجرد عامل النظافة من قيمة "النظافة" ونلصق به اسم "مول الزبل".. هو الذي ينظف أزبالنا التي نرميها بعشوائية ونضع فيها قشور الموز مع بقايا الزجاج المسننة، ومع ذلك نرد له هذا الجميل بهذا الاسم "القدحي"!!
المخرج رشيد بوتونس عاد بنا إلى الوراء في فيلمه السينمائي القصير "لا هنا لا لهيه" الذي توج فيه الممثل الراحل حميدو بنمسعود بجائزة أفضل ممثل بمهرجان الفيلم المتوسطي القصير بطنجة في دورته السابعة عام 2004، يحكي عن "تكريم" مهاجر مغربي متقاعد بفرنسا كان عاملا بقطاع النظافة. في فيلم "فصل من الحياة" كانت رسالة "الإدانة" أقوى من أي بلاغات سينمائية، وتمرير "ميساج" قوي حول عامل النظافة الذي يتسم بنظافة "القلب" و"الروح" و"اليد" أيضا، من خلال مشهد إعادة -"محمد عاطر" الذي شخّص في هذه "الومضة"  عامل النظافة بانكساراته الإنسانية-  الحقيبة المسروقة إلى صاحبتها التي تعكس نظرة المجتمع الدونية إلى عامل النظافة. لقطات تعرّي ما بداخلنا من قسوة صورت بكاميرا من زاوية واحدة، لكنها على المستوى الإنساني تعكس عدة زوايا، وهي رسالة من المخرج بوتونس ومحمد عاطر وسعاد العلوي وجواد السايح، وكل الطاقم الذي تطوع لإنجاز لوحة إنسانية بإنتاج محدود جدا ما أحوجنا إلى تمرير رسالته في تلفزيوننا العمومي الضاجّ بالتفاهة والقبح الجمالي والرداءة الفنية.
لعل زمن كورونا الذي تحولت فيه النظافة إلى "عقيدة"، وغسل اليدين بالصابون إلى "عادة" مثل الأكل، واستعمال "جافيل" إلى ترياق ضد السموم، أصبح لعامل النظافة دور محوري في التدابير الوقائية التي أعلنتها وزارة الصحة. لكن هل تعلم أيها المغربي الظروف الظالمة التي يعمل فيها من تنعته ب"مول الزبل"؟ هل تعلم بوضعه الاعتباري داخل منظومة المهن التي يحقّرها المجتمع؟ هل تعلم كم يتقاضى شهريا؟ هل تعلم بأنه يضطر إلى الأعياد الدينية و"لعواشر" إلى "التسوّل" ليستدرّ شفقة المواطنين؟ هل تعلم بأن مهنة عامل النظافة من أنبل المهن في الدول الديمقراطية؟ هل تعلم بأن شاحنات جمع النفايات لو تغيّبت يوما واحدا يمكن أن تتخيل البشاعة التي تغرق فيها مدينتك؟
عزيزي المواطن من يملك الشجاعة في زمن وباء كورونا ويلامس بقفازاته كل أجناس الجراثيم والميكروبات والبكتيريا والفيروسات؟ هل يمكن أن تتصور كيف ينام عامل النظافة متوسدا الوساوس والشكوك حول إصابته بفيروس كورونا؟ كم يتقاضى هذا العامل أساسا حتى يغامر بحياته وحياة أسرته؟
لذا لنقف احتراما لصناع هذا الفيلم القصير "النبيل"، فبالبرغم من تواضع إنتاجه، كانت بلاغة خطابه "أثمن" من أفلام تُهدر فيها الملايين، لكنها بمحتوى فارغ وركاكة فنية سينمائية..
"فصل من الحياة".. هو فصل من "الجحيم" وانهيار منظومة القيم الإنسانية، وهذا هو دور السينما.. أن توقف عقارب الزمن الواقعي وتتجمد عيوننا أمام مشاهد تغتال كينونتنا.