الأحد 31 مايو 2020
فن وثقافة

"المغرب الذي كان": "الريسولي" يسلب "هاريس" نسخ فريدة من القرآن (27)

"المغرب الذي كان": "الريسولي" يسلب "هاريس" نسخ فريدة من القرآن (27) الريسولي، يتوسط، الأستاذ هشام بنعمر بالله، ووالتر هاريس(يسارا)

اختارت جريدة "أنفاس بريس" طيلة شهر رمضان أن تقدم لكم بعض المقتطفات من الترجمة العربية التي قام بها الأستاذ هشام بنعمر بالله لكتاب "المغرب الذي كان" للصحفي البريطاني "والتر هاريس" الذي عاش في طنجة ما بين سنتي 1887 و 1921 وعاصر أهم الأحداث التاريخية التي عاشها المغرب نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

الكاتب صحفي بريطاني "والتر هاريس" ولج البلاطُ الحسني بوساطة من الحراب البريطاني "السير ماك لين" الذي استقدمه السلطان الحسن الأول لتطوير الجيش المغربي.

كان يتستر تحت غطاء الصحافة مراسلاً صحفياً لجريدة "التايمز" في طنجة لمزاولة مهام استخباراتية دنيئة، وخدمة المصالح القنصلية البريطانية و الفرنسية حيث رافق الكثير من السفارات الاوروبية إلى البلاط المغربي. و خلال مقامه الممتد في المغرب ما بين 1887 و 1921 بالمغرب ظلَّ يتقرب من مختلف الدوائر و المؤسسات المؤثرة في مغرب نهاية القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين. وقد عاصر ثلاث سلاطين وتمكن من نسج علاقات مع مكونات المجتمع المغربي (وزراء و موظفو المخزن الشريف، و شيوخ القبائل و الزوايا الدينية بالإضافة الى اللصوص و قطاع الطرق، وعموم الناس ...)

الكتاب حسب المترجم "يرسم صورة قاتمة عن نهاية المخزن المغربي (التقليدي) أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وسقوط المغرب في قبضة القوى الاستعمارية الغربية. سقوط يسعى الكاتب من خلال مؤلفه المذكور (المغرب الذي كان) بقليل من الموضوعية إلى تبيان أسبابه و مظاهره بأسى شديد". و نشر الكتاب لأول مرة باللغة الانجليزية تحت عنوان مثير (Moroccothatwas) الذي ارتأى الأستاذ هشام بنعمر بالله ترجمته بالعربية ب (المغرب الذي كان) .

عن دار النشر William Blackwood And Son بلندن سنة 1921 بينما صدرت ترجمته الفرنسية عن دار بلونPlon سنة 1929 لبول اودينوPaul Odinot تحت عنوان طويل :

Le Maroc disparu (Anecdotes sur la vie intime de MoulyHafid, de Moulay Abd El Aziz et de Raissouli)

وقد اعتمد الأستاذ هشام بنعمر بالله في الترجمة بالأساس على النسخة الفرنسية التي ذكرناها مع الرجوع، في أكثر من مرة، إلى النسخة الأصلية باللغة الانجليزية كلما بدا له الأمر ضرورياً لتصحيح الترجمة العربية لتبدو أمينة قدر الإمكان. واختار لها عنواناً "المغرب الذي كان" لأسباب لا يسمح المقام للخوض فيها و مناقشتها.

 

رُغم أن (علاقاتي) بالريسولي ظلَّت، كما سبق إن بيَّنتُ، مختلفة و (حَبلى) بالمغامرات، إلاَّ أني لا أحتفظ منها بضغينة، وأعتقدُ انَّهُ ظلَّ دائماً يُقدِّرني ويَعتبرني أيضاً (كواحد من أصدقائه). خلال أسفاره إلى طنجة، قَضى ساعاتٍ طويلةٍ في محلِّ إقَامتي، تحادثتُ معه عن أوضاع البلاد و التحولات التي حدثت في حالة القبائل الجبليَّة.

فقد الكثير من الَّلباقة التي كان يتمتَّعُ بها في الماضي، حيثُ أضحى بديناً، وثَقيلاً، وملامِحُ وجهه صارت أكثر دمويَّة.

ظَلَّ مهذباً ومُسليّاً في العُموم بشكلٍ سَاخرٍ و متهكِّمٍ. كان فخوراً بأهميته و ظلَّ يعتقدُ أنه لا يوجدُ شخصٌ آخر مثله، وهو الأمر الذي، من حسن الحظ، كان حقيقياً بكل تأكيد.

في يومٍ من الأيام، كان في ضيافتي، وانتبه إلى وجود (نسخة من المصحف) في إحدى الخزانات الزجاجيَّة مُحلَّى ببعض الزخارف الجميلة و القديمة جداً. والحال أنَّ المغربي لا يقبلُ أن يحُوز نَصرانيٌّ نُسخةً من القرآن (الكتاب المقدَّس)، سَحب "الريسولي"، دون استئذَان، الكتاب من الخزانة الزجاجيَّة.

قبَّله بتقدير ثم لفَّهُ بعناية في منديل و (سلَّمهُ لخادمه).

لم يقدم أيَّ إعتذار عن هذا السُّلوك، الذي حسب رأيه، لا يستحق ذلك. واستمر في الحديثُ، ولم يتناول موضوع الكتاب. انصرف لاحقاً، ومعه (مصحفي).

كنت احتفظُ بنسختين من القرآن، لكن الذي (أخدهُ مني) "الريسولي" كان الأَجمَل في رأي [جامعي التُّحفِ الفنيَّة]. في حين أنَّ النسخة الثانيَّة كانت الأكثر إشراقاً و الغنيَّة بالألوان، و ستبدو في نظر (عين) المغربي المرغوب فيها أكثر (المطلوبة أكثر)، فبالنسبة لهم (المغاربة) لا قيمة للأشياء الثمينة. لكن الريسولي لم يرى النُّسخة الثانيَّة.

في اليوم التَّالي أرسلتُ النسخة الثانية، ملفُوفةً في الحرير، مع خادمٍ من خُدَّامي، إلى الريسولي ، طالباً منه أن يُعيد لي تلك التي أخدها مقابل هذه النسخة الأكثر (جاذبيَّة) و المحفوظة بعناية. أخبرته أنَّ للنسخة الأولى، ربما بكثير من المكر، (قيمةٌ) خاصَّة عندي، ورجوتُه أن يعيد لي القديمة مقابل الأخرى. وقُلت أنَّ (النُّسخة) الجديدة مؤلفٌ ذو قيمة.

عاد مبعوثي خائباً و حزيناً. لم يُنجز المهمَّة التي كلفته بها. عاد من عند "الريسولي" بالكثير من العبارات الودِّية، ولكن من دُون كتاب، لم يعُد لا بالأول و لا حتَّى بالثاني لأن الريسولي احتفَظ بالنُّسختين معاً. كان الأمر مُغيظاً غير أنَّه لم يكُن في الوُسع القيَام بأيِّ شيءٍ الاَّ تحمُّل الأمر إلى أن تَسنحَ الفُرصة (لأُفاوِضَهُ) النِّد للنَّد.

في صبيحة أحد الأيام، بعد مرور شهر تقريباً على هذا الحادث، أرسلتُ أطلبُ منه أن يُعيرني زوجين من البغال للركوب بسروجٍ لبعض الأصدقاء الذين يرغبُون في التَّنزُّه، زوجَان من البغال الجيِّدة و الهادئة، لأن أصدقَائي لم يكونوا مُعتادين على رُكوب البغَال.

بعد نصف ساعة، وصل إلى (إقامتي) بغلان رائعان، بسروج حمراء جميلة جداً، يسحبُها خدمُ الريسولي. وضعتُهما في الإسطبل و أحكمتُ إغلاقهُ بالمفتاح.

أرسلت إلى الريسولي لأُخبرهُ أني سأُعيد له البغَال عندما يُرجع لي المصحفين. عاد أحد مساعديه رفقة (مبعوثي)، وبعد التحيَّة المألوفة، أبلغني أنَّ سيِّدهُ كلَّفهُ أن يعلمني أنه لا يفكر بتاتاً في إعادتها لأنها كُتبٌ ثمينة جداً، وأضاف أنَّ زوجي البغال ملكٌ لي منذ الآن ، وأن كُلَّ ما يملكهُ فهو لي، ما عدا (الكتابين) بطبيعةِ الحال، وإن رغبتُ في المزيد من البغال و الخيول فاإَّه (سيرسلها لي).

كان سيقُوم بذلك طَواعيَّة لأنَّهُ يملكُ المئات منها، وجميعها مسروقٌ أو مسلوبٌ من الأهالي ولم تكلِّفه شيئاً، ومن تمَّ لن يكلفهُ منحها أيَّ شيءٍ كذلك. ضميري يؤنبني بشدَّة.

بدت الخدعة تافهة أمام سخاء "الريسولي"، عرضتُ أن أعيد إليه البغال غير انأَه رفض الخوض في الأمر. بقيت البغال في الإسطبل. لم نتبادل الزِّيارات بعد ذلك لكن علاقتي به (لم تتأثر) بهذا الحادث.