الثلاثاء 11 أغسطس 2020
كتاب الرأي

سعيد بعزيز: مقاولات التأمين وإعادة التأمين الرابح الأكبر من فيروس كورونا

سعيد بعزيز: مقاولات التأمين وإعادة التأمين الرابح الأكبر من فيروس كورونا سعيد بعزيز
أعلنت مؤخرا المديرية العامة للأمن الوطني عن حصول انخفاض كبير في حوادث السير المسجلة خلال فترة حالة الطوارئ الصحية، وتطرقت إلى الإحصائيات المرتبطة بها في المجال الحضري، ابتداء من يوم الجمعة 20 مارس إلى غاية يوم الأحد 03 ماي 2020، والذي ناهز 76.49% مقارنة مع نفس الفترة من السنة المنصرمة، وارتباطا بذلك، انخفضت حوادث السير من 8.818 إلى 2.073 حادثة سير، والوفيات من 104 إلى 35 قتيلا، والمصابين بجروح خطيرة من 452 إلى 106 جريحا، والمصابين بجروح خفيفة من 11.498 إلى 2.496 جريحا.
طبعا، هذا الرقم يتعلق بالوسط الحضري بسبب استمرار الحركية لدوافع متعددة منها العمل والتبضع...إلخ، وإذا استحضرنا منع التنقل بين المدن، حيث الطرقات في الوسط القروي تكاد تنعدم فيها حركة السير والجولان إلا من السائقين المهنيين المكلفين بنقل السلع والبضائع لتموين الأسواق أو نقل الأشخاص في سيارات الأجرة مع تقليص العدد بالنسبة للعمالات والأقاليم التي لم تمنعهم من ذلك،  إضافة إلى حالات استثنائية خاصة، وكذا توقف مجموعة من الأوراش، وإغلاق العدد من الوحدات المهنية، مما يستحال معه وقوع حوادث الشغل، إضافة إلى العديد من المجالات التي تراجعت فيها نسبة الإصابة بالخطر المحدق بالمؤمن له.
أكيد المؤشرات ستتراجع على جميع المستويات، وبالمقابل تتصاعد أرباح مقاولات التأمين وإعادة التأمين، التي يصل عددها حسب أخر تعداد رسمي إلى 24 مقاولة نشيطة، من بينها 20 مقاولة على شكل شركات المساهمة وأربع شركات تعاضدية للتأمين، والتي تندرج في إطار القطاع الخدماتي، وتتنوع خدماتها بين ما هو ملزم قانونا كالتأمين عن حوادث السير وحوادث الشغل...إلخ، ومنها ما هو اختياري من قبيل التأمين عن الحياة والسكن، والحريق ...إلخ
ففي الوقت الذي يتطلع فيه، المواطنات والمواطنين إلى انخراط الجميع، في التلاحم والتضامن الوطني، بهدف الحفاظ على فعالية الإجراءات والتدابير المتخذة لمواجهة تفشي فيروس كورونا ـ كوفيد 19، والقيام بتدخلات اجتماعية حسب كل قطاع على حدة، أعلنت هذه المقاولات عن طريق الجامعة المغربية لشركات التأمين وإعادة التأمين، في بلاغ لها، بتدخل من هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي، على بعض الإجراءات بغرض تسهيل الحياة اليومية للمؤمن لهم، والمستفيدين من الخدمات، بالإضافة إلى وكلاء ووسطاء التأمين.
إنه البلاغ الذي لم يأت بجديد خارج ما تتضمنه عقود التأمين، وهو المألوف لكونها عقود إذعان لا تقبل أي تعديل أو إضافة، ولا حضور فيها لإرادة المتعاقد مع مقاولة التأمين، إلا في حدود القبول بشروطها والتوقيع من عدمه. وكل ما تضمنه كإشارة استثنائية، اعتبرها البعض ايجابية آنذاك، تتعلق بعقود التأمين التي تنتهي صلاحيتها ابتداء من 20 مارس 2020، على أن تظل سارية المفعول إلى غاية نهاية شهر أبريل، لتمكين المؤمن لهم من الانضباط للحجر الصحي، لكن دون إعفائهم من أقساط التأمين عن تلك المدة، إذ بإمكانهم تجديد العقود حين انتهاء هذه المدة، وسيكون عليهم بعد ذلك، أداء قسط إجمالي، يشمل أيضا فترة التمديد المحددة، حفاظا على أرقام معاملاتها خلال فترة الحجر الصحي، فأي خدمة هذه قدمتها مقاولات التأمين وإعادة التأمين للمواطنات والمواطنين المغاربة؟ ألا يعتبر تشجيعا للمؤمن لهم على تغيير الوكالة المتعاقد معها عند تجديد التأمين، وبالتالي التأثير السلبي على مردودية وكلاء ووسطاء التأمين الأصليين؟
كان عليها، على الأقل، وفق ما يقتضيه المنطق، أن تنال العبرة من مقتضيات الفقرة الأولى من المادة السادسة من مرسوم بقانون رقم 2.20.292 الصادر في 23 مارس 2020 يتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها، والتي تنص على أنه "يوقف سريان مفعول جميع الآجال المنصوص عليها في النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل خلال فترة الطوارئ الصحية المعلن عنها، ويستأنف احتسابها ابتداء من اليوم الموالي ليوم رفع حالة الطوارئ المذكورة"، أو من توقيف أداء مستحقات القروض ـ ولنا في هذا كلام ـ وتفتح لعموم المؤمن لهم، الذين لم تعد تهددهم المخاطر المؤمن من أجلها، إمكانية التوجه ولو بطريقة الكترونية، إلى وكالات التأمين قصد تقديم طلبات توقيف سريان عقود التأمين إلى حين رفع حالة الطوارئ الصحية، وفق المبدأ المعمول به في العديد من الدول الأوربية.
أما باقي ما جاء في البلاغ مجرد حشو وإطناب، لكونه مكفول قانونا، رغما عنها، من قبيل تغطية عقود التأمين الخاصة بالمرض للتدخلات الطبية والصيدلانية المتعلقة بفيروس كورونا "كوفيد – 19"، وتغطية حوادث الشغل في إطار "العمل عن بعد"، باستثناء الحوادث المنزلية، متناسية أن القانون يضفي صبغة حادثة شغل حتى على بعض الحوادث المنزلية الواقعة بسبب الشغل أو بمناسبته، وفي مقدمتهم فئة العمال المستقلين.
هذا، وبالمقابل، وسطاء ووكلاء التأمين، على المستوى الوطني، يعانون من العطالة من جهة، ومصاريف الأكرية ومستلزمات مقراتهم والمستخدمين من جهة ثانية، لينضاف إليها فقدان العديد من الزبناء بسبب أداء الأقساط لفائدة مقاولات التأمين بأثر رجعي، دون أن يشفع لهم ما يجمعونه من أموال لفائدة هذه المقاولات.
فهل ستعمل على الاكتراث بالمؤمن لهم وهي لم تسمع إلى أصوات وسطائها ووكلائها في المدن؟ وبالأحرى أن تتجاوز ذلك، عبر القيام بمبادرة تضامنية حقيقية، وأداء نسبة مهمة من مما تراكم في أرصدتها خلال الحجر الصحي لفائدة الصندوق الخاص بتدبير جائحة فيروس كورونا ـ كوفيد 19.
اليوم، على الحكومة، عن طريق هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي في إطار مواكبتها لقطاع التأمينات، وصلاحياتها المتعلقة بتنظيمها ومراقبتها، ألا تبقى مكتوفة الأيدي، وذلك قصد التدخل من أجل حماية المؤمن لهم والمنخرطين والمشتركين وكل المستفيدين من حقوق تجاه هذه المقاولات، وحث هذه الأخيرة على العودة إلى الصواب، بعيدا عن بعض المبادرات المحتشمة، من أجل المساهمة في الجهود الوطنية والإجراءات والتدابير المتخذة لمواجهة تفشي فيروس كورونا ـ كوفيد 19 بأقساط محددة من الأموال المتراكمة لديها من جيوب المؤمنين والمؤمن لهم.
إنه سؤال المواطنة من جديد.