الأربعاء 15 يوليو 2020
في الصميم

كورونا.. المدخل السليم لتأميم الصحة والتعليم

كورونا.. المدخل السليم لتأميم الصحة والتعليم عبد الرحيم أريري

لنقلها بصراحة، فيروس كورونا لم يفضح هشاشة المنظومة الصحية والاقتصادية والتعليمية فقط، بل فضح أيضا منظومة الريع والانتهازية التي فرخت فئة حلبت المغرب طوال عقود وتخلت عن المغرب في زمن الجائحة والحروب.

 

فالمتتبع البسيط للتطورات المرتبطة بتأثيرات فيروس كورونا على النسق الاجتماعي والنسيج الاقتصادي بالمغرب، سيخرج بمجموعة من الخلاصات الدالة:

 

أولا: برز الدور المحوري والرئيسي لمؤسسات الدولة في الإمدادات المالية لصندوق مكافحة كورونا، إذ أن النصيب البارز في المساهمات المتأتية كان مصدرها المؤسسات العمومية.

 

ثانيا: برهن القطاع الخاص بالمغرب على أن وعيه الوطني ووظائفه الاجتماعية محدودة جدا، فإذا استثنينا بعض رموز القطاع الخاص المندمجين اجتماعيا واقتصاديا في الدينامية التي يعرفها المغرب، وإذا أسقطنا بضع مجموعات اقتصادية محدودة، نجد أن العديد من أرباب القطاع الخاص برهنوا على أن القطاع الخاص المغربي (الذي أسس على قواعد الريع الفاحش) لم يطور ثقافة المسؤولية الاجتماعية والمسؤولية الوطنية.

نعم، هناك البعض منهم تعبأ خلال مواسم مضت للتعبير عن التضامن، لكن ذلك يبقى محدودا جدا ولا يترجم ثقافة عامة.

 

ثالثا: كشفت كورونا أن المحافظة على الحياة الاقتصادية رهينة بما تضمنه الدولة ومؤسساتها، فحتى القطاعات التي استفادت من الامتيازات والإعفاءات والتسهيلات والتحفيزات الجبائية أبانت عن «وعي انتهازي» لا يرقى إلى التعامل «المواطن» مع هذه الجائحة وتأثيراتها: فكل القطاعات الاقتصادية والاجتماعية تنتظر نوعية وطبيعة تدخل الدولة وتنتظر كلها الاستفادة من القدرة التوزيعية للدولة. كما أن الأجراء ومسيري مجموعة من الحرف الصغيرة ينتظرون بدورهم الاستفادة من تدخل الدولة.

 

رابعا: خوصصة قطاع التعليم والصحة وبعض المرافق الاستراتيجية أظهرت مجموعة من المخاطر، أبرزها أن الآلاف من التلاميذ التابعين للقطاع الخاص لا يستفيدون من أي تأطير ومتابعة أو دعم، كما أن مجموعة من المؤسسات الصحية الخصوصية أبانت عن هامشية تدخلاتها لمؤازرة المجهود العام لمؤسسات الصحة العمومية، بل حتى بعض قيادي هيئات هذا القطاع لم يبرهنوا عن وعي وطني واضح.

 

خامسا: أظهرت جائحة كورونا هشاشة رقمية فظيعة بالمغرب، إذ رغم الامتيازات الهائلة الممنوحة للفاعلين في مجال الاتصال فقد ظهر أن الحق في الولوج إلى الأنترنيت ودمقرطة الانتفاع من الشبكة العنكبوتية مجرد شعار فارغ ووهم كاذب؛ وإذا أضفنا لذلك عدم قدرة الأغلبية الساحقة من الأسر لتأدية كلفة فاتورة الماء والكهرباء وضعف قدرتها الشرائية آنذاك تعي حجم الوضع الاجتماعي البئيس ببلادنا.

 

هذه المؤشرات السوداء التي برزت، ونحن في بداية الصعوبات الكبرى التي سيعرفها المغرب اقتصاديا واجتماعيا ما بعد كورونا، تطرح علينا السؤال الجوهري الحقيقي المتعلق بالنموذج التنموي المستقبلي، وهو نموذج يجب، في نظرنا، أن يعتمد بالأساس على القطاع العام وعلى دولة قوية اقتصاديا وعادلة اجتماعية، لتتمكن من الاستجابة لنداءات الإغاثة لمختلف الشرائح ومختلف القطاعات.

 

فإن كان من حسنة لوباء كورونا، فهي (أي الحسنة) تلك المرتبطة بالسؤال الجوهري: أليس من الضروري طرح القطاعات الاستراتيجية التي يجب تأميمها لتحقيق «دولة العدالة الاجتماعية» و«دولة الرفاهية»؟!