الثلاثاء 19 نوفمبر 2019
كتاب الرأي

تدمري عبد الوهاب: فدرالية اليسار.. الانطلاقة الخاطئة أو "لبس قدك يواتيك"

تدمري عبد الوهاب: فدرالية اليسار.. الانطلاقة الخاطئة أو "لبس قدك يواتيك" تدمري عبد الوهاب

وأنا أتتبع الخطوات التي سارت عليها بعض المكونات السياسية المشكلة لفدرالية اليسار من أجل الوحدة، أدركت منذ البداية الصعوبات التي تعتري هذا النوع من النقاشات، وما يعتريها من مخاطر، خاصة إن كانت هذه الوحدة المرجوة لا تشكل غاية في حد ذاتها، بل هدفا مرحليا تسعى هذه المكونات من خلاله إلى خلق آلية تنظيمية منفتحة على كل مكونات اليسار الديمقراطي، تروم في مقاصدها المرحلية إلى خلق قطب يساري ديمقراطي جامع، وفي مقاصدها الاستراتيجية إلى توسيع قاعدته الشعبية في أفق تغيير موازين القوى لصالح المشروع الديموقراطي الحداثي. وهو ما يتنافى مع جعل وحدة اليسار هدفا استراتيجيا يصاغ تحت الطلب.

 

هدفا تتحكم في خلفياته الغير المعلنة هواجس انتخابية، فيتحول بموجبها هذا الهدف إلى عملية تركيبية لمكونات فقدت الكثير من بريقها، وانحصرت قواعدها، وفقدت مصداقيتها الشعبية، شأنها في ذلك شأن كل القوى السياسية المسماة وطنية ديمقراطية، خاصة على ضوء ما يشهده محيطنا الإقليمي من اهتزازات اجتماعية عنيفة تارة، وسلمية تارة أخرى. وعلى ضوء المتغيرات التي تخترق واقعنا السياسي والاجتماعي وما يشهده المجتمع المغربي من تحولات بنيوية عميقة علاقة بما يعيشه من فساد سياسي واقتصادي، أثرت في وعيه الجمعي بالشكل الذي ارتفع معه منسوب الكراهية تجاه المجتمع والدولة ومؤسساتها والأحزاب السياسية وسحب الثقة منها وراح يبحث عن آليات جديدة للاحتجاج والمقاومة. وهو بالتالي ما سيفقد هذه الوحدة قيمتها ولن تشكل بذلك أي إضافة تذكر للواقع المأزوم الذي يعيشه اليسار المغربي. بل فقط مقدمة لانشطارات أخرى، ستزيد من تشرذم هذه القوى، كون الوحدة بين مكونات سياسية كذلك، لا تعني بالضرورة تراكما كميا ونوعيا يمكن أن يحدث فارقا في القوة، ولا يمكن إخضاعها لمنطق الإضافة في المعادلات الرياضية الذي يختلف على منطق علم السياسة. بل يمكن لهذه الوحدة أن لم تكن مبنية على أسس فكرية سليمة أن تزيد من ضعف هذه القوى وتشرذمها وانعزالها، خاصة إذا كانت هذه القوى في الأصل ضعيفة ومأزومة، وهو ما سيحول عملية الوحدة هاته إلى مجرد إجراء تنظيمي من أجل إعادة تركيب الأزمة، يتحول بموجبه اسم الفدرالية إلى أطناب لغوي يعكس تضخم الأنا في الخطاب السياسي العربي المشرقي، هذا في الوقت الذي يقول فيه المثل الدارجي المغربي "لبس قدك يواتيك".

 

إذن ومن أجل تجاوز هذا المنظور الضيق للوحدة، كان على قوى اليسار الديموقراطي أن تشتغل على إعادة بناء اليسار وليس الوحدة بين مكونات اليسار، كون أن المسافة بين حمولة المصطلحين تقاس بالسنوات الضوئية.

 

ففي حين يتطلب الأول مراجعات نقدية شاملة لمجمل التصورات الفكرية والسياسية والتنظيمية التي تأسس عليها اليسار، وإعادة صياغتها انطلاقا مما راكمه الفكر اليساري والإنساني من تصورات ونظريات فلسفية جديد على خلفية ما عاشه اليسار العالمي من تجارب سياسية مريرة، وكذا من خصوصياتنا التاريخية والثقافية والاجتماعية والروحية، بما يستجيب لقضايا الشعب المغربي كشعب امازيغي إفريقي أصيل، منفتح على كل حضارات البحر الأبيض المتوسط، ولكل انتظاراته المشروعة المتمثلة في الديمقراطية والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والاقتصادية.

 

في حين أن الاشتغال على وحدة مكونات اليسار يعني بالضرورة أن وضع المكونات الساعية للوحدة على ما يرام، سواء على المستوى التنظيمي أو على مستوى التصورات، وأن المشكلة فقط في تعددها التنظيمي، وهو ما يقتضي جمعها على أرضية سياسية حد أدنى، وكوطا تمثيلية داخل الأجهزة التنظيمية الجديدة للفدرالية، من أجل تحويلها إلى قوة سياسية ضاغطة وقوة انتخابية وازنة.

 

كما أن هذا المفهوم المتقدم للوحدة الذي يجعل من عملية إعادة البناء مدخلا للإجابة على الإخفاقات المتتالية لقوى اليسار المغربي، وسبيلا لإعادة تموقعه في المشهد السياسي عبر انحيازه الصريح للقضايا العادلة للشعب المغربي كشعب متعدد في ثقافاته، وخصوصية جهالته التاريخية، وانخراطه الاستراتيجي في معاركه من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وحقه في معرفة تاريخه الحقيقي، وكشف الزيف الذي لحق بذاكرته الجماعية ورموزه التاريخية، وبحقوقه الثقافية واللغوية، والروحية، وبهوية الأرض كبلاد أمازيغية، حتى وإن نطقت بألسنة متعددة، يهيمن عليها اللسان العربي الذي يستمد قوته من الدين والمذهب المالكي الذي يحرم الصلاة بغير اللغة العربية، وليس من هيمنة العرق العربي الذي يشكل حسب جل المصادر التاريخية أقلية اندمجت تاريخيا في النسيج الاجتماعي الأمازيغي المغربي الذي أقام دولا وممالك على هذه الأرض حتى قبل ظهور الإسلام .

 

لكن يبدو أن فدرالية اليسار ما زالت بعيدة كل البعد على هذا المفهوم للوحدة المؤسس على عملية إعادة البناء السياسي والفكري والتنظيمي، بما يتلاءم وخصوصيات الشعب المغربي الذي شكل تاريخيا كيانا مستقلا عن المشرق، حتى في أوج زمن الخلافة الأموية والعباسية والعثمانية، وذلك من خلال ما يتم تداوله الآن من احتضان الفدرالية بطنجة للمؤتمر الأول للجبهة العربية التقدمية الذي يقام تحت شعار "وحدة الشعوب العربية ضرورة تاريخية ورهان استراتيجي". وهو ما يؤكد كذلك على كون اليسار المغربي ما زال لم يتخلص بعد من المقدسات والمسلمات الفكرية للحركة الوطنية، ومن رواسب الخطاب القومي العربي الذي تأسس مع حركة القوميين العرب في الجامعة الأمريكية ببيروت، الذي يقوم على أكذوبة الأمة العربية الواحدة اللاغية للتعدد والتنوع، الذي تتسم به شعوب الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وهو كذلك الخطاب المشرعن للسطو على تاريخ وحقوق الشعوب الأخرى ونسبه إليه، وذلك فقط لكونها ناطقة باللغة العربية. وهو ما يجعل كذلك من هذا النوع من الخطاب السياسي، مشروعا سياسيا عرقيا وإقصائيا فاشلا، على غرار كل المشاريع السياسية القومية التي شهدتها البشرية بما فبها التعصب العرقي الأمازيغي.

 

كما أن سير الفدرالية في هذا المنحى وتبنيها لمشروع سياسي وفكري قائم على التعصب القومي، والذي أثبتت التجارب التاريخية عن فشله وتقوقعه، سواء في الشرق أو الغرب، يبين بما لا يدع مجالا للشك، أن اليسار ما زال متقوقعا على نفسه وعن ما يعتقده حقيقة مطلقة يمتلكها دون غيره، وغير قادر على إجراء تلك المراجعات الفكرية لمجل ما يعتقده مسلمات ترقى إلى مرتبة المقدس حتى مع ما تشهده مجتمعات وشعوب العالم من متغيرات وتحولات عميقة. كما أن استمرارها في هذا المنحى سيزيد من عزلتها ورفض غالبية المجتمع لها، علاقة بارتفاع منسوب الإحساس بالانتماء الأمازيغي لغالبية الشعب المغربي الذي أصبح يبحث أكثر فأكثر عن مقومات مناعته الذاتية التي تمكنه من المقاومة في غياب دور الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، وذلك بالرجوع إلى خصوصياته وقضايا الهوية والذاكرة والتاريخ إلخ ... وهي بالتالي، أي الفدرالية، كمن يريد من بعض إخواننا من الجالية الإسلامية، إقامة دولة الخلافة، في بلاد الغرب المسيحية.

 

الدكتور عبد الوهاب التدموري، المنسق العام لمنتدى شمال المغرب لحقوق الإنسان