الجمعة 22 نوفمبر 2019
كتاب الرأي

من أجل نموذج تنموي وطني ديمقراطي للعشرية الثالثة..

من أجل نموذج تنموي وطني ديمقراطي للعشرية الثالثة.. أمين لقمان
يترقب المغاربة -بين متردد وآمل ويائس- بوادر تغيير جديدة تنقذ البلاد من المجهول، وتنتقل بها إلى دولة الحرية والكرامة والرفاهية..خاصة بعد الخطاب الأخير للعاهل المغربي الذي وصف التغيير المنشود بالجوهري الذي سيمس نظم الإدارة والحكامة والإقتصاد وآليات العمل السياسي بكل مستوياتها..
 وكل ذلك يرتبط تباعا بوصفة ملكية قائمة على ابتداع نموذج تنموي جديد على أنقاض نموذج سابق سيئ وفاشل أوصل البلاد إلى ما هي عليه اليوم.
إن تحديد طبيعة المشاكل البنيوية والمركبة للنظام السياسي والاقتصادي تعتبر المدخل الصحيح لفهم أعطاب المرحلة والبحث عن تجاوزها..ولن يتأتى ذلك دون خارطة طريق تؤطرها مبادئ جديدة وأفكار جديدة تؤسس لهذا النموذج الجديد. وأول هاته المبادئ :
●تحديد المسؤوليات وترتيب الجزاء:
إن أسباب الفشل ستظل كامنة وسترافق أي تصور جديد مالم يفعل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، فلا يمكن أن نتصور انطلاقة جديدة دون أن نحدد المسؤول عن الفشل،ودون أن تتم محاسبته فالأمر يتعلق بشعب ودولة وبمصير أموال عامة وأجيال صاعدة..ولسنا بصدد جماعة ترابية او نادي لكرة القدم..فمصداقية أي نموذج تنموي جديد ستتحدد بناءا على ترسيخ فكرة المسؤولية والمحاسبة في دهن كل من سيتحمل مسؤوليات جديدة، ومصداقية أي تصور جديد ستتحدد أيضا بناءا على طبيعة التدابير الزجرية والاحترازية التي سترافق كل سياسة عمومية جديدة منعا لتكرار الفساد المنظم..ولذلك فإن أي تصور جديد لا يمكنه النجاح دون تحريك المساطر القانونية ضد بنية الفساد القوية والمنظمة والمتشابكة مهما علت رتب المتورطين فيها. 
لا يمكن أن نقول ببساطة أننا فشلنا في هاته المقابلة فهيا لنلعب من جديد..
سيكون ذلك مضيعة للجهد والوقت والمال العام ولحق الاجيال القادمة علينا ، وسنعود بعد مضي عقد أو عقدين لنجد انفسنا ندور في دائرة نقطة بدايتها هي نقطة نهايتها. 
إن حجم التخريب والفساد الذي طال الثروة ونظم السياسة والإقتصاد ببلادنا لا يمكن أن يتصور..ودون تجريد بنية الفساد من رعاتها وحماتها منذ اللحظة الأولى لانطلاق النفس التنموي الجديد، فلن نحصن تطلعاتنا المستقبلية، ولن نعبئ الناس حولها ولن نضمن انخراطهم ومشاركتهم وعودة الثقة إلى نفوسهم وهي المقومات الطبيعية الكونية لكل الديمقراطيات عبر العالم..
الأمر لا يتطلب حملات موسمية أو انتقائية تطال هذا دون ذاك..نريد ترسيخا لثقافة جديدة قائمة على سمو القانون والوطن فوق الجميع، وهي أولى الصدمات والحصص ضد سرطان الفساد..قد تكون لها أعراض سلبية في البداية لكنها لازمة لضمان أمن المغرب والمغاربة من الموت المحقق. 
هذا أول مبدأ وأول ركن يجب تفعيله قبل الانطلاق في أي نموذج جديد..تحصينا له وترسيخا للثقافة الجديدة التي ينبغي أن ترافقه وتحميه. 
المبدأ الثاني يتعلق ب: 
●منهجية التغيير طبيعته وأطرافه:
الملاحظة الأولى التي يجب تسجيلها هو أن الأمر يتعلق بمبادرة فوقية يرعاها ويقرر معالمها ملك البلاد، وذلك راجع للسلط التي ينيطه بها الدستور، ولفشل تجربة الإسلاميين في تدبير شؤون البلاد..وأيضا لحجم الاحتقان الذي تعيشه كل القطاعات...وهنا وجب التنبيه إلى فكرة مهمة، فالديمقراطيات عبر العالم يكون مصدر التغيير فيها هو الشعب والسلطات التي يخولها إياه صندوق الإقتراع، وهكذا يحدد الشعب طبيعة نموذجه التنموي من خلال الإختيار بين برامج الليبراليين أو المحافظين أو اليساريين بشكل عام ويتحمل الشعب تبعات اختياراته وعلى أساسها يحاسب ناخبيه في كل استحقاق عبر تصويت إيجابي أو عقابي..أما معضلة الفساد فيتولى أمرها القانون الذي يطال أثره الجميع..لكن ببلادنا الأزمة مركبة فلا الشعب يشارك عبر تفعيل كامل لسلطته الإنتخابية ، ولا الحكومة تنفذ برامجها المزعومة ولا الدولة ترفع يدها عن الاقتصاد والسياسة..
إن هاته البنية المركبة والمتخلفة تطرح نفسها بحدة أمام البحث عن مخرج وعن بديل جديد..وكل تصور يؤسس لمقاربة جديدة في العشرية الثالثة من هذا القرن ولا يضع في حسابه هاته الإشكالية فهو تصور قاصر وسيكون مآله الفشل..وأولى هاته الأسس هو منهجية التغيير المنشود وطبيعته واطرافه..ففي الحالة المغربية الراهنة يبدو أنه يختلف عن المحيط الإقليمي والدولي..فلاهو مرتبط بصناديق الإقتراع واختيارات الأمة، ولا هو تغيير مرتبط بنزول الشعب إلى الميادين كما في بعض التجارب العربية..إنه تغيير مغربي ذو طبيعة خاصة حتى لا أقول استثنائية..وإن منهجيته التي أعلن عنها ملك البلاد عبر تشكيل لجنة خاصة يكتنفها الغموض والتنافر مع مبادئ الديمقراطية والمسؤولية والمحاسبة وصناديق الاقتراع..ولذلك لابد من رسم الإطار الجديد للتنمية والمبادئ التي ستؤطره بما لا يتنافى مع الدستور وقواعد الديمقراطية عبر العالم. وأولى هاته الخطوات:
▪ترسيخ مبدأ فصل السلط والتدرج نحو ملكية برلمانية تعيد الاعتبار لسلطة الشعب في تقدير اختياراته من خلال صناديق الاقتراع.
▪إعادة الإعتبار للعمل السياسي النبيل ولقيم الوطنية والمواطنة والتضحية والتطوع..وفتح باب الأمل والثقة في القدرات والمؤسسات عبر إلغاء التعددية المزيفة وديمقراطية الواجهة ومنع العمل السياسي المستند إلى دعم الدولة أو المستند على الدين أو كل ماهو عرقي أو قبلي..
▪إعلاء شأن العدالة ومنحها كافة الضمانات القانونية لمعاقبة المتورطين في نهب المالية العامة والقيام بالتأطير القانوني لكل نظم السياسة والإقتصاد وتفعيل مبدا ربط المسؤولية بالمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب والقيام بحملة وطنية ضد ثقافة الفساد بجميع أشكاله ومستوياته. 
▪إشراك القوى الحية والمقصية والنقابات الجادة والمثقفين والجامعات ومغاربة العالم والإعلام الوطني النزيه ومنظمات الشباب والنساء وكل الرموز الوطنية وممثلي الحراكات الاجتماعية ونخب الصحراء الجديدة وغيرها في رسم ملامح النموذج التنموي المنشود وقواعده التعاقدية. 
▪إرساء تصور جديد للجماعات الترابية ودورها المحوري في التنمية ، عبر نقاش جهوي يخص كل جهة على حدة حسب احتياجاتها وامكانياتها وحجم خصاصها وطبيعة مشاكلها تفعيلا لمبدأ الجهوية الموسعة..فقد يختلف التصور التنموي لجهة البيضاء عن جهة وجدة، وقد لا يصلح المخطط المادي التنموي للصحراء لجهة درعة تافيلالت او للحسيمة مثلا. المبادئ العامة الوطنية واحدة لكن الأولويات تختلف بحسب كل جهة وكل إقليم. 
▪فتح المجال أمام تأسيس أحزاب جهوية جديدة.. وادماج أخرى لها نفس الأهداف وتقليص التعددية المبلقنة في إطار خطة انتقالية لإعادة هيكلة العمل السياسي الحزبي واختراق وتجاوز ديناصورات واصنام الأحزاب وسيطرتهم التنظيمية المنفرة لولوج الشباب إلى السياسة. 
▪إعادة الاعتبار للتربية والتعليم والتكوين ودعم البحث العلمي كقوة محورية مستقبلية تغذي النموذج الجديد بالاطر والكفاءات..
▪إطلاق" نداء الوطنية " يهم كل المغاربة سياسيين ووزراء وبرلمانيين وكل المسؤولين الكبار للتنازل لصالح الوطن واجياله الجديدة ولصالح النموذج التنموي الجديد عن كل امتيازاتهم الريعية وجزء من رواتبهم ولو لفترة محددة تعبيرا عن حس المسؤولية والمواطنة ولكل مغاربة العالم لصالح صندوق وطني لبرامج جديدة لتشغيل الشباب.. وسيكون لمشاركة جلالة الملك في ذلك دفعة قوية لإنجاح هذا المشروع الوطني اذكاءا لروح التكافل والوطنية. 
▪سن خطة استعجالية من سنتين لرفع تحدي الصحة العمومية،
عبر تجهيز المستشفيات وبناء أخرى جديدة وتمكينها من المعدات والأطر الطبية عبر مقاربة تشاركية واعتبار ذلك تحدي وطني يفوق وزارة الصحة تتجند له كل المصالح والجماعات الترابية، وتشرف على تنفيذه لجان خاصة في كل إقليم تحت إشراف مستشار للملك ووزارتي الصحة والداخلية .
إن التعليم والتشغيل والصحة العمومية تحديات اجتماعية ووطنية لا تقبل التأجيل ولذلك لا نجاح لأي تنمية بدون مخططات قوية وجريئة ومبدعة في هاته المجالات. 
وخلاصة القول أنه لا تنمية بدون ديمقراطية..ولا ديمقراطية بدون ديمقراطيين. 
كانت هاته بعض المبادئ العامة والأفكار التي نراها صالحة لقيام نموذج وتصور وطني ديمقراطي جديد للتنمية. 
والله المستعان.

الفاعل السياسي. أمين لقمان