الثلاثاء 17 سبتمبر 2019
في الصميم

كناش تحملات ملك

كناش تحملات ملك عبد الرحيم أريري

يعد صيف 1999 محطة فاصلة في تاريخ المغرب الراهن، إذ عقب وفاة المرحوم الحسن الثاني وتولي الملك محمد السادس الحكم، دخل المغرب في دينامية غير مألوفة تجلت في فتح أربعة أوراش كبرى وهي: الورش الحقوقي والورش الاجتماعي والورش الاقتصادي والورش الترابي.

أولا: الورش الحقوقي انصب على تصفية إرث سنوات الرصاص وما تلاها من تأسيس هيأة الانصاف وتعويض حوالي 18 ألف ضحية من ضحايا الاختفاء القسري والتعذيب في المعتقلات السرية والسجون ماديا وإدماج 13500 ضحية وذوي الحقوق في التغطية الصحية وإدماج 13 ألف حالة في النسيج المجتمعي وإعادة الإدماج الإداري مع تسوية الوضعية لحوالي 800 ضحية. فضلا عن شطب المغرب على العديد من التحفظات التي كان يطرحها لملاءمة نصوصه الداخلية مع التشريعات الدولية، هذا دون الحديث عن تأهيل المنظومة القانونية في عدة مناحي. فضلا عن انخراط المغرب في المنظومة الأممية لحقوق الإنسان وتفاعله معها ومع آلياتها.

ثانيا: الورش الاجتماعي فتجلى في قلب أولويات الدولة لدرجة أن الشأن الاجتماعي أصبح في جدول الأجندة العمومية وما تلاه من إعادة تصويب السياسة العمومية في التأهيل الحضري ومحاربة دور الصفيح والهشاشة وذوي الاحتياجات الخاصة والسجناء، خاصة النساء والأحداث منهم. هذا الانقلاب في ترتيب الأولويات انعكس في العقدين الأخيرين على الفضاء العام )الوسط الحضري خاصة( وهو ما يلمسه المرء اللبيب في كل مركز حضري وفي كل مدينة )ساحات، كورنيش، ملاعب، الربط بالماء وشبكة التطهير، سد الخصاص في مرافق القرب، الاعتناء بالأنسجة العتيقة إلخ...(

ثالثا: الورش الاقتصادي فتبرز معالمه في المخططات القطاعية المعتمدة لدفع المغرب لانتزاع حصة من المهن الدولية )الأوفشورينغ، الطيران، السيارات إلخ...( أولإعادة تكييف lareconversion المغرب مع المتغيرات الجديدة بادماج وظائف خدماتية )القطب المالي بالبيضاء كنموذج، المرتقب أن يوظف 35 ألف إطار في المهن المالية الدولية lahautefinance( هذا دون التطرق إلى ما عرفه المغرب من مخططات قطاعية )المخطط الأزرق والأخضر والصناعة التقليدية والسياحة(.

رابعا: المخطط الترابي، وهو الأهم في نظرنا، فقيمته تكمن بالأساس في توظيف التراب الوطني بما يخدم المصالح الجيوستراتيجية للمغرب. وأهم تجلياتها هي ربط تنمية الأقطاب الحضرية الكبرى-لأول مرة- ووضعها في سياق معادلة العداوة التاريخية لبلادنا مع الجزائر واسبانيا، وهو ما يفسر كيف أن المغاربة تحملوا عبء دفع أزيد من 250 مليار درهم في العقدين الماضيين في الشمال ليس لرد الاعتبار للشماليين الذين كانوا مهمشين في العهد الماضي فحسب، بل لتجفيف منابع الاستعمار الاسباني عبر تطويق سبتة ومليلية المحتلتين. وهو التطويق الذي أفلح فيه المغرب في جزء كبير بعد التهيئة والاهتمام والاستثمار العمومي الذي تم ضخه في الشريط الساحلي الشمالي وتجلت رافعته بالأساس في الميناء الضخم «طنجة ميد»، وإعادة التقطيع الترابي باحداث عمالة المضيق والدريوش حتى تتفرغ السلطات المحاذية للمدينتين المحتلتين لمواكبة هذا التحول. وتجلى أيضا في المجهود المالي الذي تحمله المغاربة لضخ 7 مليار درهم في مدن الصحراء لتجفيف منابع الجفاء والتواصل مع الجزائر والبوليزاريو مع أنصارهما هنا في الداخل، أعقبه تبني برنامج تنمية مندمجة للأقاليم الجنوبية بغلاف 77 مليار درهم )موزع على الموانئ والطريق السريع بتزنيت، الداخلة، وغيرهما(.

ولن يستقيم فهم هذا التحول الجيوستراتيجي في مفهوم التنمية الترابية دون ذكر الذكاء العمومي في تعامله مع الجهة الشرقية كي لا تبقى هذه الجهة مرهونة بالجزائر وبالحدود، وذلك بإعادة مصالحتها مع باقي التراب الوطني )أوطوروت وجدة - فاس، الطرق السريعة مع بركان والسعيدية والناضور، الناضور ميد، مارتشيكا، قطار تاوريرت، المحطة الشمسية، ضخ 300 مليار لتأهيل مدن المنطقة....(. وهذه الرؤية الملكية لم تكن عبثية بقدر ما كانت مسنودة بتأطير خلاصات النقاش حول إعداد التراب الوطني الذي )أي النقاش أثمر دستورا ترابيا( زكاه الملك في اجتماع 2004 وعكسه الاهتمام بأهم الأقطاب )فاس مكناس وطنجة تطوان ومراكش أسفي والجديدة القنيطرة عبر البيضاء والعيون أكادير ثم ورزازات الراشيدية(.

معظم هذه الأوراش التي فتحها الملك محمد السادس صاحبتها مبادرات لحماية التدين المغربي وتقوية لحمته عبر مرجعية إمارة المؤمنين التي أشرفت على إعادة هيكلة الحقل الديني لضمان الأمن الروحي للمغاربة وترسيخ الثوابت الدينية للمملكة المبنية على الاعتدال والوسطية.

الرؤية الملكية لم تبن شرنقة حول المغرب لعزله عن محيطه الإقليمي، بل بنى المغرب جسرا جويا وبحريا ليتحول إلى ملتقى للقارات، فاتحا حوارا بين الحضارات والديانات والقضايا الكونية الكبرى.

فهنا المغرب.. الوطن الذي لا تغيب فيه الشمس كما يدل عليه اسمه.