الجمعة 23 أغسطس 2019
كتاب الرأي

عبد اللطيف برادة:حياتي مع السفهاء والشعور بالغبن

عبد اللطيف برادة:حياتي مع السفهاء والشعور بالغبن عبد اللطيف برادة
أصعب اللحظات مرارة على الإنسان مناقشة من لا يعي ما تقول، خاصة حينما ترميك الظروف بأناس لا تعرف عنهم أي شيء، وتقودك الأقدار للكلام معهم، لتدرك وأنت في منتصف الطريق بأن المحاور لك ما هو إلا أحد رجلين، إما رجل جاهل أو إنسان أحمق والجهل والحمق كما هو معلوم افتان مدمرتان.
فالأولى تصيبك بالغثيان، والثانية تشعرك بالغبن، وان كان من السهل تجاوز مرحلة الجهل، لأنها في الأخير مجرد «مطب» اجتماعي سهل العبور، لكن على عكس من دلك فالحمق آفة ليس لها دواء ذلك أن الجاهل أمره سهل، ومن الإمكان تهذيبه، أما الأحمق، فهذا أمره أمر آخر، فهو ان حاولت نصحه لا يتورع عن الرد عليك بكل ما يخطر على باله، إذ لا يتردد من قول أي شيء حتى لو كان ذلك الشيء مخالفًا للدين والعرف والمنطق، فهو لا يعنيه من الأمر إلا الظفر عليك وإسكاتك بكل الوسائل، لأن الأمر الوحيد الذي يحرص عليه، هو الرد، بل أحيانا لا كيفية الرد وقد يلجئ إلى وسائل أخرى لا تخطر على البال. وعندها تشعر أنك انزلقت إلى ما وراء الهزيمة، وهو بالذات ما اعنيه بالشعور بالغبن
فالشعور بالغبن شعور قاسٍ ومرير، قاسٍ لأنك أنت الذي أوقعت نفسك فيه، ومرير لأنه ليس لديك القدرة على معالجة هذا الشعور في حينه، فما أتعس هذه اللحظات التي نشعر فيها بهذا الإحساس، خاصة إذا لم تكن لديك القدرة على الانتقام لهذه النفس التي وقعت تحت هاجس وطأة الشعور بالغبن، أما في اللحظات التي تهدأ فيها نفسك وتنسى هذا الشعور القاسي والمرير فانك لامحالة تحمد الله سبحانه على حسن العاقبة، فتوكل أمرك إليه سبحانه، وأنت تردد بينك وبين نفسك «حسبنا الله ونعم الوكيل».
وأحيانا أخرى قد تشعر بالغبن لدرجة أنك تفقد توازنك العاطفي فيتحول الغبن في هده الحالة إلى شعور مؤلم وخصوصا، إذا كان الأمر يتعلق بأناس قد خدمتهم ربما بماء عينك وضحيت لأجلهم بأشياء كثيرة لكنهم في الأخير لم يكتفوا بنكران الجميل بل تجاوزوه إلى درجة محاولة القضاء عليك وتصفيتك نهائيا عندها تشعر فعلا بمرارة الغبن لأنك جلبت عليك كل المصائب لأنك بفعلك الخير أخطأت العنوان والهدف! وهكذا فالشعور بالغبن يصل أحيانا إلى مراحل خطيرة مؤذيه للإنسان كثيرا. وربما تصل إلى مرضه أو تمزيقه نفسيا.
أما المتسبب في دلك لا يشعر بألم الآخرين لأنه اعتاد على التضحية من لدن الجميع. وللغبن أبعادا أخرى وهكذا فان الغبن لسر كامن ولغز محير وهو شرخ في الذات لا يعرفه سوى من اكتوى به وهو شعور غريب يجعلك أحيانا تتنكر لذاتك لهويتك لوطنك تبتعد وتنزوي في عزلة قاتلة وهو احساس الذي ينتابني عندما اشعر أنني أعيش وسط أناس لا يعيرون أي اهتمام للحق في العيش بكرامة لا للثقافة ولا للفن الأصيل تجدهم يفتحون المطاعم ويبنون الأبراج والسجون لكن لا يوفرون ولا طوبا واحدا لمسرح الحي ومكتبة تنير العقول نعم اشعر بالغبن وأنا أسلم على أناس يدعون أنهم مسلمين ومع ذلك فهم لا يردون السلام وأنت تدعوهم للسلام أتحسر عندما أراهم يبنون ملاعب عملاقة لكرة القدم ولا شيء للثقافة والكتاب وهم مع ذلك يتأسفون عن تراجع التعليم
نعم إنني اشعر بالغبن عندما أجدهم يصنعون الجهل والإرهاب، ثم يندهشون لمعاينة نتائج أفعالهم اشعر بالغبن عندما أجد من هم لا يستحقون ادني مسؤولية يرتقون أعلى المناصب لا لشيء سوى أنهم يدفعون أعلى الرشاوى ويتملقون إلى أصحاب القرار.
اشعر بالغبن عندما أجد نفسي مشطوبا من العمل فيما أجيد العمل فيه وذلك لان من عين في ذلك المنصب لا يفقه شيئا فيما يعمل اشعر بالغبن عندما أهمش من طرف أناس لا يستحقون حتى أن يشتموا نعل حذائي.