الجمعة 19 إبريل 2019
كتاب الرأي

الكزان: الإتحاد المغربي للشغل والتكلس النقابي

الكزان: الإتحاد المغربي للشغل والتكلس النقابي عبد المنعم الكزان
 
يبدو أن التنظيمات المغربية حتى التي تعتبر نفسها تقدمية، أو راديكاليية، تتبنى التصور أللاهوتي الكنسي على مستوى التنظيم بحيث نجد أن الفعل النقابي لازال مرتكزا على عقلية الزعيم الخالد، والمقدس وهو ما يفسر خلافة ميلودي موخاريق نفسه كمرشح واحد ووحيد في النقابة الأولى في المغرب عدديا وتاريخيا.
ورغم هذا التاريخ النضالي الطويل فهي لم تفرز إلا اسمين يتيمين لمدة 64 سنة على مستوى القيادة، الأستاذ ميلودي موخاريق، والقديس المؤسس المحجوب بن الصديق الذي عمر على رأسها طيلة نصف قرن، فقد شهدنا لأكثر من مرة أن الزعماء لا يخرجون من مقصورة القيادة إلا عن طريق الموت ، أو الإقالة.
إن المؤتمر الثاني عشر للإتحاد المغربي للشغل لم يغير أي شيء في هذه النقابة العتيدة اللهم في توسيع مكتبها المركزي المحال على المعاش بالشكل الذي يطرح معه بشكل جدي جدوى الانتماء إلى نقابات شاحبة ومتقاعدة، و شائخة، ليس لها من الديمقراطية إلا الاسم، ويصبح معه تشكيل تنسيقيات قطاعية ضرورة حتمية وحلا أوحدا لإسماع صوت المظلومين، من الطبقة العاملة وهو ما حصل مع " الممرضين " ومعه الآن "الأساتذة المتعاقدين"، وغيرها من الفئات المتضررة من تخشب وشيخوخة التنظيمات النقابية في المغرب، وأمام هذا التكلس النقابي في هذا الوطن، والذي لايمكن إلا أن يكون وبالا على الطبقة الكادحة التي أثقلتها سلطة الرأسمالية، واستغلال الأجساد البشرية بأبخس الاسعار، والتحايل على القوانين من أجل الربح السريع ولو على حساب امتصاص دماء الفقراء، مرة من طرف هذه الحكومة الملتحية التي طالما شنفت أسماعنا بشعارات اسقاط الفساد ليصبح بعد ذلك "رئيسها السابق غارق في الفساد وأكل السحت حتى الودنين"، ومرة من طرف أباطرة القطاع الخاص، حتى ثارت ثائرة هؤلاء على النقابات، وخرجوا عراة إلا من حناجرهم وارادتهم الاحتجاج في الشارع، دون أن تجد وسائط مؤسساتية تمثل مصالحها في الحوار مع السلطات، والكتل النقابية التي باتت تفتقد إلى المصداقية.
هذه التنظيمات التي من المفروض عمليا أنها تدافع عن هموم الطبقة العاملة وقضاياها في علاقتها مع الباطرونا من جهة و وقطاعات الدولة من جهة أخرى صونا لكرامة الموظف والعامل على حد سواء، بل أصبح البعض يفضل الجمعيات الحرفية والمهنية أكثر ديمقراطية شفافية و وضوحا من نقابات لا تتقن إلا ديباجة البيانات وجمع واجبات الإنخراط والكولسة والمركزية البروقراطية.
تحليل يعود بنا إلى روجيس دوبري من جديد الذي انتبه الى أن النظام الشيوعي السوفياتي لم يتخلص من الجذور اللاهوتية العشائرية التي توجه السلوك السياسي، الذي بموجبه تم توجيه التنظيم الحزبي الشيوعي لا شعوريا ليتطابق في طبيعته مع التنظيم اللاهوتى الكنسي، ليستنتج هذا المفكر في حفر أركيولوجي، أن هناك بنية ثاوية منذ الماضي هو ما طلق عليه اللاشعور السياسي هو الموجه لهذا الفعل التنظيمي، باعتباره منظومة من العلاقات الجمعية التي توجه الأفراد، ولا يقدرون على دفعها؛ وذلك من قبيل العلاقات القبليّة، و الدينية، وهو المفهوم الذي اعتمده روجيس دبري لتفسير، أنماط العلاقات التي تسربت من الماضي في تنظيمات تعتبر نفسها حديثة.
أن أشكال التنظيمات والمؤسسات التي لا تشكل تعاطفا كريستيفيا في علاقتها بالمجتمع،بل ولا تمثل بنيويا في تنظيمتها النقابية بنية المجتمع خصوصا أن بنية المجتمع المغربي هي بنية شابة بامتياز لا يمكن أن تكون إلا مجرد تغليف للأليغارشية النقابية جعلت النقابات مجرد إقطاعات في ملكيتها، توظفها على مدى عقود للإرتياع والاسترزاق والترقي السياسي مبتعدة بذلك عن مهمتها الأصيلة في الدفاع عن حقوق الكادحين من العمال، ويتحول معها الفعل النقابي إلى حضور فلكلوري لرؤساء النقابات في فاتح ماي، وهو لعمري واقع أغلب النقابات بالمغرب، بل أصبحت عنوانا كبيرا للمحسوبية والتخندق، وركوب على نضالات الفئات الشعبية البسيطة.

                                      -عبد المنعم الكزان، باحث في السوسيولوجيا السياسية