الجمعة 26 إبريل 2019
في الصميم

سمّ الوزير الوردي في صحن أطباء العيون!

سمّ الوزير الوردي في صحن أطباء العيون! عبد الرحيم أريري
تُشرع القوانين في البرلمان لحماية المواطن في أي قطاع. وقبل أن تشرع هذه القوانين لابد أن تمر من مجموعة من القنوات، وتوضع تحت مجهر الخبراء والمختصين، ويشارك في ديباجاتها المهنيون الذين هم الأقرب إلى فهم «روح» هذه القوانين وغايتها وعدالتها.. فروح القانون «العدل» وليس إشعال الفتنة. وليس كلّ البرلمانيين يفهمون في الطب حتى يستسهلون تمرير القوانين بسذاجة أحيانا واستهتار ولامبالاة أحيانا أخرى. القانون هو علم دقيق ونظام معقد وليس مجرد «فتوى»، حتى لو كان صاحب الفتوى هو وزير الصحة السابق الحسين الوردي الذي زرع «لغما» في البرلمان قبل إعفائه من خلال تمرير مشروع القانون رقم 45.13 المتعلق بمزاولة المهن شبه الطبية (الترويض والتأهيل وإعادة التأهيل الوظيفي) إلى مجلس المستشارين في علبة «سوداء». الوردي الذي كان يتعامل مع قطاع الصحة كـ «بويا عمر»، ينظر إلى أطباء القطاع الخاص بالعين «الحمراء». وفي الوقت الذي كانت أمامه فرصة تاريخية لسدّ كل الشروخ بين القطاعين العام والخاص وإصلاح المنظومة الصحية المترهّلة، زرع «الإسفين» بين القطاعين عبر إصدار قرار لمنع أطباء القطاع العام بالاشتغال في المصحات الخاصة. واستمرارا في حرب كسر العظام التي أعلنها على القطاع الخاص «جاهد» الوردي لتمرير قانون لفتح رأسمال المصحات الخاصة أمام المستثمرين في فترة قصيرة، الوزير الوردي القادم من مصلحة «المستعجلات» بالمستشفى الجامعي ابن رشد أشعل النار في قطاع الصحة عبر قوانين ارتجالية و«متسرّعة»، وقام بنقل تجربة «قسم المستعجلات» من ابن رشد إلى البرلمان، بدليل أن مشروع القانون رقم 45.13 المتعلق بمزاولة مهن الترويض والتأهيل وإعادة التأهيل الوظيفي كان مليئا بالرّضُوض والكَدَمات و«الصّدمات الكهربائية»، إلى درجة أنه حُمِلَ على نقّالة «مستعجلات» من الغرفة الأولى إلى الغرفة الثانية بسرعة «البراق» من دون أن تُسْتَشار الهيئات النقابية الطبية في مضامين هذه القوانين ومصداقيتها وتأثيرها على ممارسة مهنة الطب!!

والمثير في هذه القضية أنّ النقابة الوطنية لأطباء العيون في القطاع الخاص اكتشفت مشروع هذا القانون في «حالة تسلّل» بمجلس المستشارين.. عثرت على قانون «شارد» لا يخص طب العيون فقط، بل يمتد حتى إلى المهن شبه الطبية، من قبيل الترويض والتقويم والنظاراتيين. لكن ما فجّر غضب نقابة الأطباء هو اعتراضها على المادتين 6 و9 من مشروع هذا القانون الذي تعنيهم فيه نقطة محددة هي «الهدية» التي قدمها الوردي للمبصاريين أو النظاراتيين بمنحهم «صلاحية إجراء الفحوصات الطبية، على الرغم من عدم توفرهم على تكوين دقيق في المجال»، كما تقول نقابة الأطباء، وحجتهم في ذلك أن ما قامت به الوزارة في شخص وزيرها الوردي هو «تهريب» المادة الخامسة من ظهير 1954 المنظم لمهنة النظاراتيين لتصبح بذلك المادة السادسة في مشروع قانون «الوردي»، بعد «نسخ» المادة سالفة الذكر بالحرف. وتكمن خطورة منح «الضوء الأخضر» للنظّاراتيين للقيام بفحوصات، هي من اختصاص طبيب العيون، تكمن في أنّ الفحص يتطلّب أولا تكوينا طويل المدى وخبرة طبية ومسؤولية مهنية، ويتجاوز مهنة النظاراتي التي تقتصر على «فيزيائية» زجاج النظارات تبعا لمقاسات البصر التي لا يعرف أسرارها إلا طبيب العيون، لأنّ فحص البصر أو مقاسات البصر وجهان لعملة «علم» دقيق اسمه طبّ العيون. وهذا ما نبّه إليه الدكتور محمد شهبي، النائب الثاني للنقابة الوطنية لأطباء العيون في القطاع الخاص، في حوار لجريدة «الوطن الآن»، (انظر الحوار مع الدكتور شهبي في الصفحة 14).

هي إذن كرة من اللّهب أورثها الحسين الوردي لرفيقه أنس الدكالي، يتقاذفها في ما بينهم أطباء العيون والنظاراتيون داخل «رقعة» ضيقة لا يسود فيها قواعد اللعب النظيف، اخْتُلِقَ فيها «نزاع» غير صحي سيُديم سواد منظومة صحية اتّسع شرخها. فالوردي الذي قذف كرة اللّهب كهذه تعامل مع «القوانين» التي تهمّ صحة المواطن كلعبة ورهان خاسر، بدليل أن الوزير أُعفي من منصبه، إلا أنّ أصابعه مازالت تتلاعب بين طيات صفحات مشروع قانون دسّ فيه السمّ في صحن أطباء العيون، مع العلم بأنّ إعفاء وزير من منصبه يعني أن قوانينه «مفلسة» ومدّة صلاحيتها منتهية، هكذا يقول منطق «العقلاء» وليس منطق «بويا عمر»!!