الأربعاء 17 يوليو 2019
سياسة

حميد النهري: الرميد أدلى بتصريحات استفزازية لا تليق بمسؤول حكومي داخل دولة المؤسسات

حميد النهري: الرميد أدلى بتصريحات استفزازية لا تليق بمسؤول حكومي داخل دولة المؤسسات الأستاذ حميد النهري (يمينا) والوزير مصطفى الرميد

ما زالت تداعيات وصف الوزير مصطفى الرميد، أمر قاضي التحقيق بفاس بمثول حامي الدين أمام  غرفة الجنايات، بالقرار الأخرق، مستمرة ومثار تعليقات وانتقادات. وفي هذا الصدد حاورت "أنفاس بريس" حميد النهري، أستاذ العلوم السياسية بكلية الحقوق بطنجة، مستفسرة إياه عن هذا الخروج اللامسؤول لوزير ما كان عليه أن يتدخل في أمور القضاء، وهو الذي يتشدق باستقلاليته، لكن...

+ كيف تقرأ أجرأة أول محاكمة لوزير في ظل دستور 2011 في شخص مصطفى الرميد الذي رفع في شأنه محام بهيئة المحامين بالرباط، ومحاميان بهيئة تطوان، شكاية إلى محكمة النقض، يتهمونه فيها بتحقير القضاء ومحاولة التأثير على القضاء في قضية حامي الدين؟

- أولا ليست هذه هي القضية الأولى التي يكون فيها طرفا وزير في الحكومة الممارسة، لكن نوعيا فهي سابقة لأنها تتعلق بوزير من الحزب الحاكم انتقد بطريقة غير مسؤولة قرارا اتخذه القضاء الذي يحظى بمرتبة عليا لدى جل التشريعات العالمية المعاصرة، ونفس الأمر يجب أن يكون عليه الوضع في المغرب.

فلا ننسى أن مؤسسة القضاء حظيت بمكانة مهمة في السياسات العمومية وفي الخطب الملكية، حيث كانت من المرتكزات الأساسية في خطاب مارس 2011 "الارتقاء بالقضاء إلى سلطة مستقلة، وتعزيز صلاحيات المجلس الدستوري، توطيدا لسمو الدستور، ولسيادة القانون، والمساواة أمامه".

لذلك فإن تصريح الوزير الرميد يعتبر مناقضا للتوجهات الكبرى، ويضرب في العمق دستور 2011 الذي يضمن استقلالية القضاء والمساواة أمامه. كما تنقص تصريح الوزير الرميد الرزانة والمسؤولية المفروضة فيه بحكم منصبه، الشيء الذي جلب عليه مجموعة من الانتقادات والاستنكار من طرف الهيئات الممثلة للقضاة ومن العديد من البرلمانيين ومن المجتمع المدني وبعض الأحزاب السياسية... وبطبيعة الحال داخل هؤلاء المنتقدين وجد من رأى في تصريح الوزير أنه مخالف للقانون، ويتوجب رفع دعوى عليه امام الجهة المختصة لتبت في ذلك. وهذه المسالة ستوضح لا محالة الخطر الذي أصبح يهدد مؤسسات الدولة من طرف بعض اعضاء الحكومة.

+ ألا تعتقد أنه كان من الأجدر أن يقوم هذا الوزير بتقديم استقالته إذا أراد أن يدافع عن صديقه حامي الدين؟

- لا أظن أنه مستعد لتقديم استقالته في سبيل هذه القضية لأن تصريحه لقي هذا الاهتمام، لأنه صادر من شخص يشغل منصب وزير الدولة مكلف بحقوق الإنسان ووزير العدل سابقا، بمعنى المنصب والصفة هي الأساس. ولو أصبح الرميد المحامي وأصدر مثل هذا التصريح سيكون الأمر عاديا وأقل اهتماما. ولو أننا اعتدنا من الوزير الرميد التهديد بالاستقالة من الحكومة في العديد من الوقائع، أظن تتجاوز 5 مرات، دون أن ينفذ تهديداته، التي تبقى مجرد مناورات يهدف من ورائها ممارسة الضغط. فقد سبق ولوح بتقديم استقالته في حالة عدم تمرير تعديلات القانون الجنائي بمجلس النواب، وقبلها لوح بتقديم استقالته في أحد اجتماعات الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، بعد تعرضه رفقة باقي الوزراء إلى حملة التخوين في إطار الصراع الذي عرفه الحزب قبل مؤتمره الأخير. وسبق له أيضا أن هدد بالاستقالة من وزارة العدل والحريات في عهد حكومة بنكيران السابقة، إذا لم ترفع أجور القضاة، كما هدد بالاستقالة أثناء الجدل الذي صاحب مقترح تعديل القانون الجنائي خلال الولاية السابقة. كما أصبح ينهج أسلوبا اخرا للضغط، يتمثل في مقاطعة أشغال المجلس الحكومي، حيث قاطع اجتماع المجلس أربع مرات، احتجاجا على عدم نشر الخطة الوطنية في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان في الجريدة الرسمية.

لكن بالنسبة لهذه الواقعة لم يختر وسيلة التهديد بالاستقالة، بل استعمل أسلوبا جديدا، يتمثل في الإدلاء بتصريحات استفزازية، مستعملا مصطلحات لا تليق بمسؤول حكومي داخل دولة المؤسسات. ولا يجب أن تمر هكذا، بل يتطلب الأمر أن تتحمل الدولة مسؤوليتها وتنهج مسطرة المحاسبة.

+ لماذا في نظرك لم يلتزم الرميد بواجب التحفظ من موقعه كوزير؟

- لقد أصبحنا نلاحظ في السنوات الأخيرة بعض أعضاء الحكومة لا يميزون بين عملهم الحكومي وبين مسؤولياتهم الحزبية، في بعض الأحيان يمكن أن يكون هذا التداخل طبيعيا، لكن لا يجب أن يؤثر على عمل المؤسسات.. وفي هذه الواقعة المعني بالتأثير هو مؤسسة القضاء بكل ما تحمله من رمزية.

فعندما تتداخل المسؤوليات ويكثر الحماس تفتقد الرزانة والانضباط لدى المسؤول فتصبح الأولوية للمسؤولية الحزبية على حساب المسؤولية الوزارية .

وهذه الوضعية تحتاج في الحقيقة اليوم إلى دراسة، انطلاقا من اعتبارها كظاهرة اجتماعية، مع استلهام النظرية الانقسامية التي استعملها واتربوري في دراسته للمجتمع المغربي في السنوات الأولى للاستقلال، والتي يبقى أساسها مقولة (أنا وأخي ضد ابن عمي، وأنا وابن عمي ضد عدوي)، وكأننا سلطة داخل سلطة أو دولة داخل دولة.

وبالنسبة للوزير الرميد المسالة ليست جديدة، فقد سبق له المساس بمؤسسات دستورية، حيث هدد سابقا بأنه قد يقدم على “تصرف سياسي كبير” في حالة استمرار عرقلة إحالة مشروع المسطرة الجنائية على لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب من أجل مناقشة والعمل على إخراجه إلى حيز الوجود. وقال في حديثه، في يوم دراسي نظمه فريق البيجيدي بمجلس النواب حول “القانون الجنائي والسياسة الجنائية.. فلسفة المشروع وواقع التنفيذ”، إن هناك من يسعى إلى عرقلة مشروع القانون الجنائي، بسبب ما يتضمنه الأخير من فصل يجرم الإثراء غير المشروع. وأشار الوزير إلى أن هناك جهات، لم يسمِّها، تعمل من أجل ألا يخرج القانون إلى حيز الوجود بسبب فصل الإثراء غير المشروع الذي يزعجها، مشددا على أن هذا "النص هو مربط الفرس، ولن أسمح بالتراجع عنه ما دمت في الحكومة، وإن تطلب الأمر أن أربطه بتصرف سياسي كبير فسأفعل".

إذن، نحن اليوم أمام منعرج خطير يتمثل في تهديد واضح لمؤسسات الدولة والتطاول عليها في سبيل نصرة الشرعية الحزبية على حساب شرعية الوطن، وإننا في طريقنا إلى تكريس الرأي الواحد، وأي راي آخر مخالف سيكون مآل صاحبه الشيطنة، حتى وإن كانت مؤسسات الدولة، ويضمن لها الدستور مرتبة عليا!!

وأمام هذا الواقع ستصبح الدولة نفسها في خطر.. فحذاري ثم حذاري!!

لكن رغم كل هذا، لا ننسى أن نذكر هؤلاء بمقولة "إن الدولة تشتغل كجهاز، وإن الجهاز لا يمكن أن يترك مكانه لكم، ولا يمكنكم مهما فعلتم أن تزيلوا الدولة كجهاز".

فلا تحلموا كثيرا...