الخميس 21 فبراير 2019
كتاب الرأي

عبد المجيد مومر: استراتيجية القَصَاص الصَّادِم لمحاربة الإرهاب الظَّالم!

عبد المجيد مومر: استراتيجية القَصَاص الصَّادِم لمحاربة الإرهاب الظَّالم! عبد المجيد مومر

يتحرَّك الحائط الفايسبوكي عند حُمَاة الخُرافَة وخُدَّام الجماعات المُؤَدْلِجَة للإسلام، بتدوينات ظاهِرُها التعبير عن إدانة جريمة ذبح السائحتين وبَاطِنُها التشويش المُضَلِّل على الاستراتيجية الأمنية لمحاربة الإرهاب. حيث لم يَصِلْ مَدَى وضوح هذه التدوينات والمقالات، وكذلك لم يَبْلُغْ مَدَى رزانة صياغتها، إلى مقامٍ محمودٍ يُسَمَّى: تَسْمِيَةُ الأُمُورِ بِمُسَمَّيَّاتِهَا ورفض الإرهاب بشكل صريح لأنه يذبحُ أَهَمَّ حَقٍّ من حقوق الإنسان: حق الفرد في الحياة وحق الإنسان في الأمن.

فالإرهاب هو في جوهره إنكار لحقوق الإنسان وتدمير لها... ويجب علينا مكافحة الإرهاب بلا هوادة لحماية حقوق الإنسان. ونحن حينما نشمل حقوق الإنسان بالحماية، نعمل في نفس الوقت على التصدي للأسباب الجذرية للإرهاب. ذلك أنّ حقوق الإنسان لها قدرة على تحقيق الوئام أكثر شدة من قدرة الإرهاب على إحداث الدمار. مثلما أكد على ذلك السيد أنطونيو غوتيريس في خطاب ألقاه في لندن يوم الخميس 16 نوفمبر 2017 حول الإرهاب وحقوق الإنسان .

 هكذا إذن؛ نُتابِع ونُطالِع ما تَرْقُنُهُ وتُدَوِّنُهُ الأنامل العَاضَّةُ، ونُحَاجِجُ العقول الشاذَّة لِمُرتزقة الإسلام السياسي. حيث نَجِدُهَا ترفض القيام بِنَقْد الأساس الإفتائي المنخور الذي تَحَوّل إلى عقيدة أَمِرَةٍ نَاهِيَّةٍ لتمييزِ تَنٌظيماتِها الحركية. وكذلك تجديد مراجعاتِها الفقهية القاصرة وتَبْيِينِ مواقفَها من الإرهاب بشكل واضح دون كثرة لفٍّ أو التواءٍ مُتَفَيْقِهٍ. مع السعي القانوني نحو لَجْمِ الفتاوى المُحَرِّضَة على رفض وكراهية الآخر، هذه الفتاوى التي تفتح باب القتلِ المأجور لكل الحاملات والحاملين لها، وتُرَجِّحُ كَفَّةَ الإرهاب الظالم على كفة الدعوة الحسنة في ميزان المقاصد العامة للشريعة الإسلامية.

ولعل الجميع يَعلمُ عِلْمَ اليقين أن جمهور الشباب المغربي لا يَنْشأُ على سلوك وعادات التدين الإرهابي في الأسرة أو في المسجد، بل هو المُحَرِّضَ الإرهابي المُسْتَوْرَد من مَشْرِق الجماعات الدعوية الكهنوتية، قد استطاع تطوير خطته التواصلية من خلال الانتقال من فضاءاتِهِ العامة الكلاسيكية إلى فضاء القنوات الإعلامية، ثم منها إلى الاستفادة من الفضاء الافتراضي الذي أنشأته الثورة الرقمية. سواء من حيث الترويج لِقُدَّاس طقوس جرائم النحر والتفجير الانتحاري، أو نشر ضلال فتاويها بكل حرية مُتاحة، كل هذا في إطار "جهاد رقمي" مُسْتَقْطِب يَخْتَبِئ خلف شاشات الشبكة العنكبوتية.

استقطاب رقمي متعدد التأصيلات النظرية والغاية منها واحدةٌ وحيدة، وعلى سبيل المثال لا الحصر نُورِدُ هذا "التهديد" الذي سبق أن أطلقه المُسَمَّى قيد حياتِه عبد السلام ياسين الأب الروحي لإحدى جماعات الإسلام السياسي التي تَدَّعي السلمية ونبذ العنف، وذلك خلال المجلس الثالث والثلاثون من سلسلة دروس "المنهاج النبوي" التي ألقاها بتاريخ 9 جمادى الثانية 1402 الموافق لـ 4 أبريل 1982، حيث قَالَ يُرْهِبُ كُلَّ مَنْ يُعارض ما سمَّاه "المد الإسلامي" لِجَماعَتِه الياسينية: "احذروا أَنَّكُم إنْ لم تَتَعلَّموا كيف تَتَعاملون مع هذا المدِّ "الإسلامي" الذي لا يُقاوِمُهُ وَلا يُحاول مُقاوَمَتُه إلاَّ جاهل، لأَنَّه أَمْرٌ من أَمْرِ الله فلن يوقف أمر الله شيء، وإنْ وَقَفْتُم ضدَّ المَدِّ "الإسلامي" سَتَخُوضُون الزوابع والانفجارات والدَّمَار المُحَتَّم".

وَرُبَّما هذا ما يجعلُ المدعو حسن بناجح تلميذ الخرافة الياسينية يَخْرُجُ علينا حاملاً قلَمَهُ بِذِكر مساوئ الاستراتيجية الأمنية لمواجهة الخطر الإرهابي، ونَعْتِها بأبشع "الصفات الحقوقية" قصد عرقلة عملها الوطني في حماية أمن الوطن وسلامة المواطنين. وقبل هذا؛ هاجمت جماعة التوحيد والإصلاح قرارات المؤسسة القضائية المُتَعَلِّقَةِ بمُتابعة أحد أعضائِها المدعو عبد العالي حامي الدين بتهمة المساهمة في جريمة قتل الطالب آيت الجيد بنعيسى تحت شعار له دلالة ميز عنصري على أساس ديني "لن نسلم لكم أخانا". هذه المؤسسة القضائية الدستورية الوطنية التي تعتبر الفيصل القانوني في عدالة العقوبة والجزاء، وتطبيق القانون الذي يُشكِّلُ عماد الديمقراطية المغربية الصاعدة.

وبناءً على تكتيك الحملة التَّشْكِيكِيَّة في مِهَنِيَة الأجهزة الأمنية والقضائية وقانونية المساطر المُؤطِّرة لإجراءاتها العملية، تتحرَّك الأذرع الجماعاتية لتنظيمات الغلو والتطرف داخل المجتمع المدني والدعوي قَصْدَ توفير غطاء بَشَري، وقناع سياسي وحقوقي يحاول تحرير العناصر الحاملة للأيديولوجيا الإرهابية من قبضة القصاص القانوني العادل، ويطالب بتمتيع حاضنة المشتبه بهم أو المتواطئين والمتورطين في ارتكاب جرائم القتل الإرهابي الميدانية، تَمْتِيعَهُم بالحصانة الحقوقية الصورية التي يُرَاد بها -ومنها- باطلُ منعِ الأجهزة الأمنية من الوصول الاستباقي إلى محاصرة فلول الإرهاب وقطع أوصال المخططات الدموية لشبكة العاملين عليها، قبل أن ينجحوا في تفجير الحياة وقطع الأعناق والأرزاق، وزعزعة الإحساس بالأمان الروحي.

وبالتوازي مع ما سبق ذكره، تعمل -كذلك- المنظمات الحزبية السياسية ذات التطبيع الفقهي مع شيوخ الغلو والتطرف والتكفير على "فرملة" المؤسسات التشريعية والحكومية، وتقوم على منهاج تحريض المنتسبات والمنتسبين إليها من أجل تَسْيِيس الضلال المُتَدَيِّن بين مكونات المجتمع المغربي وضرب استقلالية المؤسسة القضائية خوفا من المساءلة القانونية الشاملة.

إذن؛ لن يكفينا -أمام خطر الإرهاب القادم من صُلْبِ الجماعات المؤدلجة للدين- القيام فقط بالتشخيص والنقد والتحليل والدعوة إلى رذيلة المراجعات غير المُنْتِجة. لأننا مطالبون بتنوير الرأي العام والكشف الواضح عن الحاضنة الفقهية والتنظيمية التي يَخْرُجُ من رحمها الإرهابُ بمُختلف تَجَلِّيَاتِه، فالخطر الدموي الذي يَتَهَدَّدُنَا -جميعًا- لن يَكْفينَا في مُواجَهَتِهِ مُرونة الحوار حول الاستتابة الفقهية للتنظيمات التكفيرية والمتطرفة. فارتباط تأويلاتها النصية بتأجيج التطرف القاتل يجعل التدين الحاقد ينفث السُّمَّ الزُّعَاف من بين أنياب مواثيق جماعات الحقد والكراهية. فهي تنظيمات تعمل على التأصيل لدعوة ذات تَدَيُّنٍ ضالٍّ لا يؤمن باختلاف أَلْوَانِنَا وأَلْسِنَتِنَا، ولا يرضى بِسُنَّة الله في تعدد الشرائع الربانية والأفكار الإنسانية.

وَأمام استقالة عقل الإطارات التَّثْقيفيَّة من مهام الارتباط بقضايا الوطن والمواطنين، وتخاذل المنظومة الحزبية عن تعزيز المناعة السياسية لدى الأجيال الصاعدة، وأمام عجزها المبين عن استقطاب الشباب نحو العمل المدني السلمي والسليم؛ فإن اليقظة الوطنية تستوجب ضرورة اعتماد خطة أمنية حازمة رادِعَة من أجل معالجة خطورة النوازل بشكل قانوني مَتينَ الصرامة.

وبالتالي وجب علينا أن ننطلق من تبيان حروف الإرهاب الواردة ضمن الأرضيات التأسيسية للجماعات المُؤَدْلِجَة للإسلام، وضمن عبارات الجهالة عند شيوخ الإفتاء وثقافة الضلال المُنبعثة منها. ومعهم أيضا المُتَسَلِّلاَّت والمُتَسَلِّلُّون إلى منظمات المجتمع المدني العاملة بأقنعة إحسانية أو حقوقية. وبالموازاة مع ذلك وجب على الحكومة ضرورة الإسراع في إنجاز الاستراتيجية الاجتماعية التي أَمَرَ بها أمير المؤمنين الملك محمد السادس، وإطلاق ثورة تشغيلية لتوفير فرص العمل للشباب حتى نضمن نجاح استراتيجية محاربةُ الإرهاب في ظل نموذج تنموي جديد يضع حماية الأمن الثقافي للدولة المغربية ضمن قائمة أولوياته الرئيسية .

- عبد المجيد مومر الزيراوي، رئيس الاختيار الحداثي الشعبي