الثلاثاء 20 أغسطس 2019
كتاب الرأي

زكية حادوش: رحيل آخر النساء!

زكية حادوش: رحيل آخر النساء! زكية حادوش

في أواخر هذا الخريف، ذات مساء بمدينة طنجة، رحلتْ امرأة من زمن آخر... زمن الأبيض والأسود وبراءة الأطفال والمدن الجميلة.

رحلتْ امرأة أبتْ وقت الوداع أن تنزع وشاحها الحريري وتضع على رأسها منديلها القطني، لأنها ببساطة ظلت بكامل وعيها ورجاحة عقلها... وعقلها يقول لها أنه لا يجدر بامرأة (ولا حتى برجل) استقبال زواره بملابس النوم، حتى وهي على فراش الموت.

هكذا رحلتْ ربما آخر النساء الأنيقات، نساء تراهن في صور أواخر الخمسينات والستينات بجانب زوج بملامح الشهامة والرجولة وأطفال (خمسة أو أكثر) يشعون ببسمة الصبا والنظافة والأناقة، وهن ملكات يرفلن في فساتين وأحذية وحقائب يد تجعلك تفغر فاك وتنازع الخالق سبحانه في تاريخ ميلادك: لماذا لم يكتب لي أن أولد في ذلك الزمن؟

نساء يعرفن أصول اللياقة والإتيكيت بالفطرة، يعرفن كيف يحولن محيطهن مهما كان بسيطاً إلى جنة للأطفال وملاذ للزوج وملجأ ومطعم بالمجان للزوار. عند زيارتهن في منازلهن لا ترى منهن إلا ابتسامة هاشة في وجهك في أي وقت من النهار والليل، ولا تسمع منهن إلا الكلمة الطيبة الرقيقة وكلاماً رصيناً عن مشاغل هذه الحياة وحِكم الحياة الأخرى والفن والسياسة وأشياء أخرى.

وعندما يأتين لزيارتك يجئن محملات بالهدايا: حلوى أو شوكولاتة للأطفال، عطور أو إكسسوارات للنساء، أو أكلات وأعراض من لوازم المنزل...وقد يأخذنك في رحلة استجمام كواحد من أولادهن (بعد استئذان أمك طبعا)..

نساء الزمن الجميل يقهرن القبح والتفاهة والكراهية، لأن جمالهن الروحي والجسدي يسبقهن إليك، ولا يشوب جديتهن وصدقهن سوى أكاذيب بيضاء صغيرة للتستر على طفل بدين يريد المزيد من الحلوى أو طفلة تأخرتْ دقائق عند الجيران، أما حبهن فلا يضاهيه سوى عشقهن للعدل في توزيعه.

كانت الحياة إلى جانبهن حلوة وفقدنا بفقدانهن أيقونات للأمومة ورموزاً للأنوثة الإيجابية ونماذج للبشرية الصالحة والإنسانية الحقة. وعندما كن يحتضرن بشموخ وفي كامل أناقتهن (ربما كن يتأهبن للقاء أحبتهن، فقد دفن غالباً إلى جانب أزواجهن بعد شهور أو بضع سنوات فقط من الفراق)، كنا نتألم لكن في نفس الوقت نغبطهن على حسن الخاتمة.

هكذا فقدنا كعائلة يوم السبت الماضي، ربما آخر نساء الزمن الجميل، السيدة مليكة الورياشي، زوجة محمد غالب، رحمهما الله وأكرم مثواهما. عزاؤنا واحد في تلك المرأة الجميلة الطيبة الخلوقة، وتعازينا الحارة لأبنائها جمال، عبد الكريم وحسن، وابنتها ثريا، أرملة الشهيد أحمد الزايدي وكل أقاربها وأحبابها. والدوام لله.