الأربعاء 14 نوفمبر 2018
منبر أنفاس

محمد إبراهيم الزموري: فقه الرحيل

محمد إبراهيم الزموري: فقه الرحيل محمد إبراهيم الزموري

يحدث الآن في مكان ما، أن يصاب محب بالجنون بعد أن أكلت الحروف من عمره، أن تبكيه النوارس والجدران، أن يصاب صاحب البقالة بالارتياب، هل هو جنون أم تقمص للدور قصد التهرب من الديون.. يحدث أن تلحقه أمه عبر الشارع والزقاق الضيق، حاملة ملابسه التي يرميها، ولسان حاله يقول: "أجبروها على الزواج، لقد جمعت المهر".. يجلس برهة ليلتقط أعقاب السجائر، يدخنها بشراهة، يختبئ عن الأطفال الذين يلحقونه بالصراخ والسباب والإيذاء.. أمه لم تعد تستطيع ثنيهم عن فعلهم، وعندما يعجز عن المشي ويتعب يلجأ لبيتهم في رأس الحارة، ويستند على ركبتي أمه، قائلا بصوت متفائل: "غدا نشتري السكر والورد وقوالب الحلوى"، ونذهب لخطبتها، تومئ الأم برأسها بالإيجاب وتمسح دموعا قد خانتها المقل، وتنظر للسماء في استجداء صامت لإصلاح الحال.

يحدث أن تكون حبيبته في شهر عسلها مع رجل آخر، تستمتع بجمال البحر ويسر الحال، تلاحق بأعينها الجائعة أجساد الشباب في تكرار لمشهدها الشبقي، ففي حياتها العبثية لا يوجد رجل أول ورجل أخير، بل هناك عدة رجال، ولأنها تتقن لعب الأدوار، تجدها متطبعة حد الغثيان، قديسة ومؤمنة، بريئة وصادقة، متمردة وساقطة، حسب الأحوال وتقلبات الأمور وتبدل ميزان المصالح، وتشاء الأقدار أن تكون كذلك بلا مشاعر، فهي جاءت إلى الدنيا نتيجة مصادفة عبثية ما بين حيوان منوي تائه وبويضة عكرة، فأنتجوا كعكة ملوثة، وهو ما يفسر كل شيء.

يحدث أن تموت الأم، فيشيخ المحب المجنون بلا سبب، هكذا هي الحياة عندما يموت شخص يشيخ من يحبونه، لم تعد له ركبة يضع رأسه عليها، رحلت من تجهز له الملابس التي يعود بدونها من جولاته، رحلت من تطعمه ومن تقفل عليه الغرفة ليلا حتى لا يخرج ويصرخ أمام بيتها كما أدمن خلال شهور مضت، ذهبت وسادته، فاستوحش بعدها، حتى أبناء الحي من رواد الليل والسكارى استحلوا بيته وطردوه بهدوء حتى ألف القطط والكلاب ومرقد القمامة الذي صار مطبخه.

يحدث أن جنونه هو بسبب صدقه ووفائه وبره، ويحدث أن رقيها هي في مراتب العقلاء كان بسبب موهبتها في توزيع الوعود وتحريك الخصر والمؤخرة بدقة عالية.

وفي انتظار أن تنبعث العنقاء من رماد الأيام المكلومة، لا تزال هي من تؤلف النهايات وتدير ببراعة حبكة البدايات.

- محمد إبراهيم الزموري، باحث في الشئون القانونية والسياسية