السبت 20 أكتوبر 2018
في الصميم

البحرية الملكية.. حكاية نصف قرن من فرض الوجود

البحرية الملكية.. حكاية نصف قرن من فرض الوجود عبد الرحيم أريري

حين استقل المغرب، انتبه القصر إلى قوتين: الجيش البري والدرك الملكي. فمحمد الخامس بالرغم من شعبيته وكارزميته، كان في مواجهة خصم قوي آنذاك، ألا وهو حزب الاستقلال (قبل انشقاقه)، وكان لابد للقصر من أن يتوفر على قوة لردع كل من يرغب في مزاحمة القصر واقتسام السلطة معه. وهذا ما أدى بالملك إلى البدء بإنشاء الجيش البري أولا (ماي 1956) تلاها تأسيس الدرك الملكي (1957) للتحكم في العالم القروي، خاصة أن المجال المغربي كان قرويا بامتياز في بداية الاستقلال.

احتداد المواجهة بين القصر والأحزاب (خاصة اليسار) ستزكي الاهتمام بالقوات البرية أكثر من أصناف الجيوش الأخرى. فالهاجس الذي كان يشغل صانعي القرار آنذاك هو تثبيت الأمن الداخلي وليس الخارجي. والجيش كان ينظر إليه كقوة سياسية أكثر منه مرفقا تقنيا بيد السياسي. من هنا نفهم التهميش الذي طال البحرية في السنوات الأولى للمغرب المستقل. لدرجة أن المغرب لم يحدث البحرية إلا في 12 أبريل 1960، أي أربع سنوات بعد ميلاد القوات البرية، بل حتى الأفواج الأولى من الضباط التي أرسلت إلى فرنسا للتكوين (فوج محمد الخامس) كانت كلها تنتمي للجيش البري.

وحين انتبه المغرب إلى ضرورة خلق جيش بحري لم يجد بدا من الاستعانة بضباط القوات البرية، فتمت المناداة على خمسة ضباط: محمد عزيز العلوي من سلاح الهندسة، أوحيرة من أكاديمية مكناس، سمير مصطفى من سلاح المدفعية، بوسرغين من المدفعية وأبارودي من سلاح الطيران للإشراف على تكوين الذراع العسكري البحري للمغرب.

وبالنظر إلى افتقاد المغرب إلى الأطر آنذاك، كان لزاما طرق أبواب فرنسا لإعارة فنييها الذين ظلوا يضخون الزيت في محركات سفن البحرية إلى حدود عام 1966، تاريخ المغربة النهائية للأطر التقنية بالسفن الحربية المغربية.

نقول السفن الحربية تجاوزا، فالمغرب لم يكن يملك آنذاك سوى بضعة مراكب وسفينة أهدتها له فرنسا "سفينة المعونة"، ولم يكن منتظرا من المشرع أن يصغي السمع لطلبات الضباط الأوائل الذين بدأوا يتخرجون من المدارس الحربية بالبحرية الفرنسية. فالستينات من القرن العشرين كانت أحلك فترة تعيشها الدولة في مواجهة لليسار، والقيادة العامة للجيش كانت حكرا على ضباط الجيش البري، وبالتالي لم يكن المناخ السياسي أو الاعتبار الذاتي يسمح بتوزيع "غنائم الميزانية" على البحرية.

في بداية السبعينات من القرن العشرين ستطرأ متغيرات دفعت بصانعي القرار إلى الاهتمام بالبحرية. المتغير الأول دولي والمتغير الثاني داخلي. ففيما يخص الجانب الأول عرفت دول العالم الثالث صحوة في الأمم المتحدة بالضغط على الدول العظمى لوقف استنزاف خيرات البحار. ولم يجد المغرب بدا من الانخراط في هذا المد الكوني علما أن علاقته بفرنسا شهدت فتورا منذ انفجار فضيحة اغتيال المهدي بنبركة ومحاولة المغرب التحرر من رهن مصالحه كلها بفرنسا.

أما المتغير الثاني، فكان هو اندلاع حرب الصحراء مع الجزائر والبوليزاريو، وهي حرب استدعت تأمين تغطية جوية وبحرية للجنود بالقوات البرية (مؤونة، سلاح، نقل العتاد إلخ...).

في هذه الفترة حاول المغرب تدارك تأخره في تجهيز البحرية الملكية، ولم تعد الأطر تُغرف (بضم التاء) من الملاحة التجارية كما كان في الستينات، فتمت هيكلة التكوين العسكري البحري وفصل مدرسة الضباط عن مركز تكوين ضباط الصف، وأغدقت الدولة بضعة ملايير لشراء سفن حربية وفرقاطات ومعدات.

لكن رغم "السخاء النسبي" للدولة تجاه البحرية، ظلت هذه الأخيرة بمثابة الطفل اليتيم للجيش. فالقرار يصنع في القيادة العامة. وليكون لك صوت بالقيادة ينبغي أن تحصي الأصوات التي تساندك فوق طاولة المفاوضات أثناء اقتسام الميزانية. وبما أن القيادة العامة للجيش كانت تتشكل من جنيرالات عديدين ينتمون للقوات البرية، فمن الطبيعي أن توجه معظم الاعتمادات لهذا الجانب. فالمغرب كان إلى حدود نهاية الألفية الماضية يتوفر على أزيد من 45 جنيرالا، إلا أن البحرية لم تحظ أصلا بأي رتبة من هذا النوع.

وكان علينا انتظار مرور نصف قرن تقريبا على الاستقلال لـ "تحتفل" البحرية الملكية بتوفرها على جنيرال في شخص محمد التريكي (الأميرال) الذي رقي إلى هذه الرتبة في يوليوز 2004 قبل أن يعفى من مهامه.

ثم تتالت التغييرات والترقيات، ليمسك حاليا بزمام البحرية الملكية الأميرال مصطفى العلمي، وهي مدة زمنية برهن فيها أسود البحر المغاربة على أنهم جدار الصد ضد العدو وصمام أمان للواجهة البحرية للمغرب.