الثلاثاء 13 نوفمبر 2018
كتاب الرأي

عمر لبشيريت: “الجزيرة” التي تحكم المغرب…

عمر لبشيريت: “الجزيرة” التي تحكم المغرب… عمر لبشيريت

رغم بعدها عن المغرب وصغرها، فإن حجم وقوة تأثيرها على بلادنا لا يتصوران.

بدون مبالغة، فهي تتحكم في استقراره ورخائه، ولا طالما هددت هذا الاستقرار، بل جلبت غير ما مرة البؤس والخراب. نعم، هددته ولأكثر من مرة على مر السنين، وبالدليل والوثائق، بل إننا ننقل أخبار تحكمها في مصيرنا كل مساء بالصوت والصورة، ونظل نتفرج عاجزين.

وستستمر كذلك في المستقبل، وأمام مرأى العالم وتتبع الخبراء، وأمام عجزنا وقلة حيلتنا، حتى أننا لا نملك أمام تجبرها وعنادها إلا دعوات المؤمنين كل جمعة.

هذه الأيام، وخلال الشهور القادمة، سنشرع في تتبع أخبارها وتطور تحركاتها وعجرفتها، لأن القدر وسلطة الجغرافيا حكما علينا بالارتهان لقلقها واستقرارها واضطرابها...

عفوا، هذه الجزيرة لا تقع شرقا ولا يجمعنا معها لا التاريخ ولا اللغة، إنها تقع غربا وتجمعنا معها قوانين الجغرافيا..

هذا القدر الذي سلطه الله علينا يسمى جزر الآصور أو الآزور وبالضبط المرتفع أو الضغط الآصوري الذي يحمل اسم هذه الجزيرة.

استقرارنا مرتبط بـ ”مزاجه”، عندما يخيم علينا استقراره يضطرب استقرارنا ويتعكر مزاجنا، وعندما ينسحب من سمائنا ويسمح للاضطرابات القطبية بالوصول إلينا نضمن استقرارنا…هكذا هو حالنا.

علاقتنا به ضدية، هو يجلب الاستقرار والصفاء شتاء ونحن نكره ذلك، بل ندعو الله بأن يبعد علينا استقرار أجوائه ويحمل الينا الاضطرابات.

بل إن علاقتنا به مضطربة، نكرهه شتاء ونمقته، حتى أن مذيع(ة) النشرة الجوية يفضل ألا ينطق اسمه، ولكن نحبه ونرحب به صيفا..

هو عنوان للاستقرار المناخي والشمس والحرارة، ونحن لا نفضل أن يأتينا ويخيم على أجوائنا العليا شتاء. لأن معنى ذلك هو انحباس الأمطار وسيادة الجفاف...

نحن بلد يضمن استقراره وأمنه الغذائي والسياسي باضطراب أجوائه العليا. إذا استقرت سماؤنا شتاء، اضطربت أرضنا، وقل الماء والغداء، وتعكر مزاج الفلاحين، ونزحوا نحو المدن، وغلت المعيشة، وتدخل البنك الدولي، وانتفض الناس ولعلع الرصاص.

كل هذا بسبب هذه الجزيرة الصغيرة والضغط الجوي الذي يحمل اسمها...

كيف ذلك؟ ببساطة، الضغط الأصوري هو ضغط مرتفع مداري يمتد فوق الاطلسي ويتحرك شمالا وجنوبا وغربا وشرقا. مصير التساقطات في المغرب، اضافة الى بلدان اخرى، مرتبط بتحركه وارتحاله.

خلال فصل الشتاء ينسحب جنوبا حتى منطقة بحر الكرايبي مما يسمح بوصول الاضطرابات القطبية الشمالية (ضغط منخفض) بالوصول الى المغرب وتحدث التساقطات..

لكن مرتفع الآصور عنيد جدا، إذ يفضل (خلال أشهر دجنبر ويناير وفبراير) أن يظل جاثما علينا ويمنع وصول الاضطرابات الرطبة، مما يؤدي إلى استقرار الجو وصفاء السماء وسيادة الجفاف والحرارة… ولعل وصف الحسين بوعابد، رئيس مصلحة التواصل بمديرية الأرصاد الجوية، خلال يناير الماضي، يكشف جبروت هذا المارد الآصوري، حيث قال: “إن الحالة الجوية العامة لازالت مستقرة خلال الأسبوع الجاري”، مؤكدا.. أن المملكة لن تشهد تساقطات مطرية لكون المرتفع الأصوري “العنيد” لازال متمركزا في مكانه.

من قال إننا بلد لا يحب الاضطرابات؟ نحن بلد مدين في استقراره أرضا لاضطراب سمائه. وعلاقتنا غريبة بهذا اللعين الآصوري، نكرهه ونكره استقراره شتاء، ونفضله بعيدا عنا إلى الجنوب، لأننا سننعم بالمياه والغداء، والاستقرار، وسيغني فلاحونا و”ينشطون” خلال مواسم “التبوريدة”، وسيبشرنا السيد أخنوش بموسم فلاحي جيد وبصحة وسلامة قطيعنا.

لكننا، نحبه ونعشقه ونرحب به صيفا ونفضله أن ينزاح شمالا، لأننا سننعم بصيف مشمس، وسماء صافية، وبحر غير هائج، وسنحمل أجسادنا إلى الشواطئ، وسيحج إلينا السياح ويحملون معهم العملة الصعبة، وسيفرح السيد وزير المالية..

ومع كل هذه القوة وهذا التحكم، نكاد لا نعرف شيئا عن جزر الآصور التي أعطت اسمها لهذا المارد المناخي، بالكاد يطل علينا مقدمو نشرات الأخبار برسومات وطلاسم وخرائط جوية تشير إلى كائن يتردد اسمه صباح مساء على التلفزة والراديو...

بعيدا عن عدونا “المناخي، فجزر الآصور أو الآزور Açores، التي ولدت هذا المتجبر، التابعة للبرتغال، هي جزر بركانية جميلة وهادئة ومحج سياحي بامتياز.

تقع بالمحيط الأطلسي، على بعد 1360 كلم عن السواحل البرتغالية، وتتمتع بالحكم الذاتي، وهي عبارة عن ارخبيل يتكون من تسع جزر تشتهر بالفلاحة وتربية الماشية وصيد الأسماك والسياحة، وتبلغ مساحتها 2333 كلم مربع.

تسمى أيضا بجنة عدن البرتغالية، لسحر طبيعتها ومناظرها الخلابة. وظلت غير مأهولة إلى أن وصل إليها البحارة البرتغالية أوائل القرن الخامس عشر. وقد كانت ملاذا للكثير من اليهود الذين فروا من جحيم محاكم التفتيش المسيحية.

وقد جعلت منها طبيعتها الخلابة واعتدال مناخها أهم قبلة سياحية بالبرتغال، حيث تضم سلاسل جبلية خضراء تتخللها بحيرات ساحرة وشلالات محاطة بمزارع الأناناس والشاي. إضافة الى منتجعاتها الشاطئية الجذابة.

كل هذا الجمال الساحر الذي تشتهر به الجزر، لا يصلنا منه سوى ضغط جوي عنيد، تحكمنا باسمه، يساهم في ارتفاع ضغط فلاحينا ومسؤولينا. ولا نملك أمام سطوته على أجوائنا سوى الرفع من الأسعار وهجرة بوادينا والانتظام كل جمعة في صلاة الاستسقاء.

(عن موقع "مرايانا")