الأربعاء 19 سبتمبر 2018
كتاب الرأي

محمد المرابط: المغرب في حراك الريف، من "لعنة" مولاي موحند إلى "لعنة" عبد الرحمان اليوسفي!

محمد المرابط: المغرب في حراك الريف، من "لعنة" مولاي موحند إلى "لعنة" عبد الرحمان اليوسفي! محمد المرابط


تتبعت كلمة الأستاذ المجاهد سي عبد الرحمان اليوسفي في طنجة مساء الجمعة 29 يونيه 2018 بمناسبة تكريمه من خلال تقديم مذكراته "أحاديث في ما جرى"، تتبعتها وأنا تحت تأثير قسوة الأحكام على القادة السياسيين لحراك الريف، ونفحات الهبة الوطنية الرافضة لهذه الأحكام، وظلال معاني عنوان كتاب الأخ الأستاذ محمد أمزيان"لعنة عبد الكريم"، تجنح بي سياسيا، وتغري بمقايسة الحديث عن "لعنة" عبد الله إبراهيم، بالانقلاب على حكومته في ماي 1960، و"لعنة" عبد الرحمان اليوسفي بالإنقلاب على حكومته عقب انتخابات 2002، بما بات يعرف بالخروج عن "المنهجية الديموقراطية".

لعنة الأصل بامتداد تفريعاتها تحملنا على القول بأن ميراث مولاي موحند التحرري قد مثله في صيرورة التراكم جيش التحرير، وفي الجانب السياسي لهذا الميراث، مثله حزب المغرب الحر، وانضمانه إلى حزب الشورى والاستقلال، وانخراط هذا الأخير في مطالب انتفاضة الريف لتأسيس حزب للقوات الشعبية، فكانت بذلك انتفاضة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وبمباركة مولاي موحند، لتكريس السيادة الشعبية. وقد كان لسي عبد الرحمان، والمرحوم سي محمد الفقيه البصري وآخرين من الرعيل الأول للحركة الاتحادية اهتمام خاص بميراث وتراث مولاي موحند.

حراك الريف، يضعنا إلى جانب جوانبه الاجتماعية، في صلب سؤال التعاطي مع الذاكرة، و الرموز التاريخية. وسي عبد الرحمان،بلغة الإشارة يستحضر تفاصيل حراك الريف، ضمن الكليات السياسية. دعونا أولا، نصغي لسي عبد الرحمان: "إن مذكراتي، التي أشكركم على الاحتفاء بها اليوم، غايتها محاولة إنصاف جزء من ذاكرتنا الوطنية والتقدمية والتحررية المغربية، كمدرسة للأجيال أنضجها أبناء من تربة وطنكم، من صميم الحركة الوطنية ومن معمدان الحركة الاتحادية المناضلة. وهي الذاكرة التي تعتبر ملكا مشتركا لكل المغاربة بدون استثناء، سواء في الدولة أو المجتمع، علينا جميعا أن نحسن قراءتها بإنصاف، وأن نستخلص منها الدروس الواجبة لحماية المستقبل المشترك لأبنائنا وبناتنا، مستقبل وطنهم في المغرب". كما تلاحظون فسي عبد الرحمان، ينتقد بتجرد أسلوب نصحه، مسلك الهروب لدى المخزن من مواجهة عقدة التاريخ.وسنقف على الآتي، كيف انتقد أسلوب الاحتكام للقوة، بالعفس على منطق المؤسسات، وكيف انتقد أسلوب الريع، والدوس على الخصوصيات الجهوية، وكيف انتقد التنميط المخزني للمجتمع بانغلاقه، بقوله: "المستقبل الذي يبنى بالحوار الصادق والمسؤول -وليس الاستبداد بالرأي- بدولة المؤسسات والعدل والقانون، وبمكرمة تقديس العمل كقيمة تحقق التقدم والتراكم الإيجابي، في تصالح كامل مع هويتنا الحضارية المغربية الغنية بتعدد روافدها، القوية بانفتاحها الدائم على مختلف التجارب الإنسانية الحضارية عبر العالم. فذلك واحد من أعظم الدروس التي تعلمنا إياها تاريخيا". هكذا تلاحظون أن وظيفية "وثيقة" كلمة سي عبد الرحمان، لا تنفصل عن وظيفية استعادة "الذاكرة". فقد حرر القول في متطلبات الحاضر من خلال استخلاص دروس التاريخ. وبهذا يكون يبني منطقا للدولة، تتعاطى به مع كل تفاصيل نوازل عيشنا المشترك. وبهذا يكون أيضا سي عبد الرحمان، القدوة البركة، رغم تقدم سنه (تجاوز 94 سنة بارك الله في عمره) ووضعه الصحي الحرج، في قلب معترك التأطير السياسي من مدخل التربية على المواطنة.

من هنا تبرز قيمة الرجل وأمثاله من الرموز الوطنية الأموات منهم والأحياء. وهذا الأمر يذكرني بما جاء في تعقيب للأستاذ حسن أوريد، في جلسة مناقسة مؤلفه: "من أجل ثورة ثقافية بالمغرب"، في تطوان أواخر أبريل 2018، حيث أشار إلى ما مفاده: "نحن في حاجة إلى رموز سياسية وثقافية تمنحنا الثقة والاطمئنان". وبالفعل فالرموز الوطنية تمنحنا الثقة في الحاضر والمستقبل. لذلك ينبغي التعامل مع الذاكرة والرموز الوطنية بقدر كبير من الأريحية.

وحتى نجمل القول، فسي عبد الرحمان كان في طنجة موضع احتفاء بفيض مشاعر العرفان، تداعى الجميع بمختلف المشارب الإديولوجية والسياسية، ومواقع المسؤولية لتكريمه وتقبيل رأسه، وبقي صامدا بعد اللقاء التكريمي، إلى ما بعد منتصف الليل، محتضنا من طرف ثلة من نخبة طنجة.

وإذا أضفنا إلى هذا الملمح الإنساني الرفيع في تكريم سي عبد الرحمان في طنجة، برور صاحب الأمر به، لما عاده بالمستشفى وقبل رأسه، فمكن في البلاد لـ"سنة" تقبيل رأس كبارنا، فإن تجاوز لعنة سي عبد الرحمان السياسية، تكمن في رد الاعتبار لقواعد السياسة في احتواء الاحتقانات الاجتماعية، وفي طليعتها حراك الريف. ويبقى أكبر تكريم لسي عبد الرحمان في حياته- وهو أول من دشن القول في "مؤسسات جمهورية الريف"، في سياق استلهام البعد التحديثي في ميراث مولاي موحند التحرري، لبناء الدولة الوطنية الديموقراطية- هو الجنوح للحل السياسي لملف الحراك.

 لذلك سنراهن في سخاء صاحب الأمر، على الانتقال من البرور الإنساني بسي عبد الرحمان رمز النضال التحرري / الديموقراطي، إلى البرور السياسي بسي عبد الرحمان رجل الدولة. وفي حرصي على هذا الرهان أردد عبارة صاحب الأمر، لثريا جبران: "دابا ماكين مخزن ياك؟"، سنرى!