الاثنين 24 سبتمبر 2018
في الصميم

متى كان بنكيران إلاها؟

متى كان بنكيران إلاها؟

" أنا اختارني الله، وكل من عارضني فقد عارض الله".

هذه هي الجملة الوحيدة التي لم ينطق بها بعد رئيس الحكومة ، عبد الإلاه بنكيران. فهو استعمل كل المصطلحات الزنقاوية في خطابه وأتخم  القاموس بلغة وضيعة، فضلا عن كونه قاد البلاد بسياسته الكارثية إلى الهاوية. وطبيعي في كل حكومة بالعالم أن يكون هناك راضون وساخطون على العمل الحكومي بحكم أن كل مجتمع تخترقه ملل وشيع.

لكن في حالة بنكيران، فإن  المغرب  والمغاربة يجب أن يساقوا كالخرفان بدون معارضة وبدون احتجاج وبدون استنكار، وكل من عارضه فهو من الفئة الضالة التي " تعارض الله". فمعجمه كما صرح بذلك هو معجم "إلاه" المتطرفين والجهاديين  الشيخ بن تيمية، وليس معجم الدستور والقوانين المؤطرة للعلاقة بين السلط وبينها وبين المجتمع.

فالدستور لم يحدد الاختصاص والأدوارالتشريعية للأغلبية فقط، بل وبوأ المعارضة مكانتها كذلك بالنظر إلى أنها تعبير مجتمعي ومنحها مكانة متميزة ونص على آليات يجب أن تتوافر للمعارضة لكي لا يسقط المجتمع في ديكتاتورية الحكومة، أضف إلى ذلك أن نظام الاقتراع  والتقطيع الانتخابي المعتمد ببلادنا لا يخول لأي هيأة سياسية مهما كان تجذرها وتنظيمها وانضباط ناخبيها أغلبية كاسحة. فأحسن حزب لن تتجاوز تمثيليته 10 في المائة من الناخبين في أحسن التوقعات ) في انتخابات 2011 البرلمانية حصل حزب بنكيران على مجرد 7 في المائة من أصوات الكتلة الانتخابية فقط(. وبالتالي لا يمكن لمن حصل على مليون و250 ألف صوت في الانتخابات البرلمانية أن يدعي أنه يملك مشروعية مجتمعية )فكل شيء نسبي( أو يتملكه الغرور بالتوهم أنه سيد الميدان.

المؤلم في هذا الواقع ليس تصرفات بنكيران، فتلك وظيفته التي سطرها له الإخوان المسلمون والأصوليين عامة )من جهاديين وسلفيين ووهابيين وتجار الدين( ، بل تواري القوى الديمقراطية ) اليسارية منها على الأخص( عن الساحة وترك المغاربة بدون سند يحمي ظهرهم من سياط وجلد بنكيران ومن معه من حلفاء حزبيين.

بنكيران الذي دجن المعارضة وأضعف النقابات وأخرس الجامعات وروض الإدارات بالتحكم في التعيينات،وأنهك الوسائط التاريخية المغربية: من زوايا وطرق صوفية، لم تبق أمامه إلا الجمعيات المدنية التي تنشط في المجتمع والتي يعتبر عملها المدني مجرد" تشويش" على " الرسالة الالاهية" التي أناطه الله بها ، ألا وهي إخراج المغرب والمغاربة من "الجاهلية" !

فكلما خرجت جمعية للشارع  للاحتجاج أو انتظم متضررون وراء دعوة منظمة مدنية للاستنكار ، نجد بنكيران بدل أن يلتقط إشارة المجتمع ونبضه ) مهما حجم التعبير الغاضب( يسخر كتائبه الإلكترونية والورقية والبرلمانية والحزبية والمسجدية للترويج: أن جهة ما هي التي حركت، وأن جهة ما هي التي أوحت، وأن جهة ما هي التي سخرت، وأن جهة ما هي التي مولت. ويتناسى أنه رئيس للحكومة. وهو بهذه الصفة رئيس للإدارة ورئيس للنيابة العامة )في شخص وزيره الرميدووصي على قطاع الجمعيات )في شخص وزارتي لداخلية والعلاقة مع المجتمع المدني( وبالتالي مفروض فيه أن يتحمل كامل مسؤوليته في اتخاذ القرارات، اللهم إن كان لا يملك سلطة ، ففي هذه الحالة كان عليه أن " يرمي السوارت" ويستقيل من المنصب منذ عام 2011 انسجاما مع هذا الادعاء. وإلا عليه أن يجيبنا على السؤال التالي: هل هو رئيس حكومة فقط على القرارات الموجعة ضد المغاربة من زيادات في الأسعار وتخريب الصناديق الاجتماعية وإفلاس التعليم والصحة والسكن وباقي المرافق ومنح الرواتب السمينة لأعضاء حكومته وتعيين المقربين من حزبه في المناصب العمومية السامية المهمة؟

إن ذلك ينهض كحجة ضد بنكيران وليس سندا لموقفه، لأن ترويج ذاك الخطاب هدفه الانقضاض على ما تبقى من أصوات مجتمعية تصرخ احتجاجا ضد الحكومة، حتى يحكم القبضة على الجمعيات بعدما استفاد من استقالة الأحزاب الوطنية والنقابات و استفاد أيضا من انسحاب الديمقراطيين واليساريين عامة.

وإذا تحقق له ذلك، آنذاك لن نستغرب أن يهلوس بنكيران ويدعي قائلا: "من عارضني فقد عارض الله" .

ومن يدري فقد يقوده الجنون ليقول: " أنا الله".

والعياذ بالله !