الأربعاء 19 سبتمبر 2018
كتاب الرأي

سعيد جعفر: أفكار على هامش دعوة مقاطعة منتوجات استهلاكية.. خريطة "البورجوازيات" بالمغرب المعاصر.. المال قبل الوطن..

سعيد جعفر: أفكار على هامش دعوة مقاطعة منتوجات استهلاكية.. خريطة "البورجوازيات" بالمغرب المعاصر.. المال قبل الوطن.. سعيد جعفر

1- تنبيه:

إذا كان من بورجوازيتين يمكن التعليق والمؤاخذة على توجههما فهما:

1- البورجوازية الإدارية الدولتية.. و... و...

2- البورجوازية التقوية الدينية..

وإذا كان من شيء يمكن التنبيه العاجل إليه فهو:

1- واقع انقلاب تحالف البورجوازيتين على الدولة الراعية كما حدث في فرنسا الكنسية عندما تحالف كبار النبلاء وأغنياء الكنيسة ضد الملكية المطلقة بفرنسا في القرن 17.

أو كما حدث في تركيا المعاصرة عندما تحالفت البورجوازية التجارية وأغنياء الحرب والبورجوازية الدينية من خلال جماعة غولن ضد الدولة العلمانية ودولة الضباط الليبراليين.

2- توجه البورجوازيتين إلى الصراع والمواجهة دفاعا عن مصالحهما الاقتصادية والسياسية مما يجر البلاد إلى تقاطب حاد قد يتحول إلى إضعاف للاقتصاد ثم مؤسسات الدولة.

والحال أننا نلاحظ اليوم أعراض هذا الصراع السياسي الذي يهدد البلاد ويهدد استقرارها الاقتصادي.

فالصراع السياسي بين الراعي السياسي للبورجوازية الإدارية الدولتية ممثلا في حزب "الأحرار"، والراعي السياسي للبورجوازية الدينية ممثلا في "العدالة والتنمية"، وصل مستوى متقدم من الضرب تحت الحزام إلى الضرب المباشر بالدعوة إلى مقاطعة منتوجات استهلاكية يومية من مصادرها (حليب شركة سنترال، محروقات الموزع إفريقيا، المياه الغازية لسيدي علي).

3- ضرورة بل وإلحاحية تقوية الطبقة المتوسطة و تشجيع التعليم والمعرفة لكونهما صمام الأمان لتفادي السيناريوهين السابقين.

لهذا نوصي بما يلي:

1- التسريع بمخطط اللاتمركز،

2- تملك إرادة سياسية في التقليل من اقتصاد الريع القائم على الاحتكار وعدم التضريب والامتيازات التفضيلية، وتطويق الفاعلين الاقتصاديين بدفاتر تحملات واضحة وبتضريب القطاعات المعفية من الضرائب كالتعليم الخصوصي وتصدير البواكر والحوامض مما يشجع المنافسة والمبادرة الحرة،

3- تضريب القطاعات غير المهيكلة كبيع المأكولات الخفيفة والملابس الجاهزة والملابس المستعملة،

4- تجريم امتهان الرقية الشرعية.

2- تحليل تاريخي:

ثمة حقيقة مؤرقة حول "البورجوازيات" بالمغرب، إذ تتحكم في الحقل المالي والاقتصادي بورجوازيتان متعارضتان ومتكاملتان في نفس الوقت: البورجوازية الدولتية أو الإدارية، والبورجوازية "التقوية" الدينية غير المهيكلة..

الأولى تجمع بين المال والسلطة وتستفيد تاريخيا من دعم الدولة منذ الاستقلال. والثانية تجمع بين المال والدين تتاجر باسم الدين وتسيطر على القطاعات غير المهيكلة والمعفية من الضرائب.

للبورجوازيتين سياقين تاريخيين وسياسيين مختلفين:

- الأولى نشأت بدعم من الدولة في بداية الاستقلال بعد تحول عدد كبير من بيروقراطيي التجارة في البدايات الأولى للاستعمار إلى تعزيز صفوف الحركة الوطنية لحماية مصالحهم المتضررة من طرف الاستعمار.

وفي إطار سعيها إلى التوازن مع الحركة الوطنية واليسار المتشكل منذ 1959 والذي تعزز ببورجوازية وطنية تسخر أموالها في تمويل الفكر اليساري والليبرالي الذي يدافع عن مصالحها في المنافسة والمبادرة الحرة، عملت الدولة على خلق قطب بورجوازي اقتصادي يتشكل من أعيان المدن والبوادي ومن المحميين لمنافسة بورجوازية اليسار في أفق إضعاف الأخير.

يقدم ريمي لوفو في "الفلاح المغربي" تشخيصا وافيا لشروط وملابسات وخلفيات تشكل البورجوازية الإدارية والدولتية.

ويقدم جون واتربوري صورة وافية عن خطاطة "التبرجز" في مطلع الستينيات والتوازنات التي حكمت تشكيل البورجوازية الإدارية مع بدايات الاستقلال.

ونجد في مؤلف الأستاذ حسن قرنفل "أهل فاس: المال والسياسة" تفاصيل كافية عن البورجوازية المخزنية ومسالك تنخيبها الاقتصادي والسياسي.

ويقدم كتيب الأستاذ عبد الرحيم العطري حول "صناعة الأعيان بالمغرب ومسالك التنخيب" معطيات كثيرة ومفيدة عن ظروف تشكل البورجوازية المخزنية بالمغرب.

تنشط البورجوازية الدولتية خصوصا في القطاعات السريع والمضمونة الربح كالتجارة والعقار والمواد الغذائية والمقاهي والمطاعم، ومع تطور النشاط الاقتصادي تحولت إلى قطاعات الاتصال والسياحة والخدمات، لاسيما الأبناك وشركات التمويل..

تستفيد هذه البورجوازية من امتيازات تفضيلية كبيرة في مجال الرخص والمأذونيات في قطاعات النقل والملاحة والصيد والعقار والماء.. وتستفيد من احتكار المنتوجات والإعفاء من المنافسة والإعفاء الضريبي، مما يجعلها تحقق أرباحا كبيرة جدا وغير مبررة أخلاقيا في بعض الحالات (أنظر مقالنا المعنون ب 20 مليار أرباح من ماء الله: التوزيع غير العادل لثروة الماء).

- البورجوازية الثانية بدأت في التشكل في بداية التسعينيات في غفلة من الدولة:

تنشط البورجوازية التقوية في القطاعات غير المهيكلة والمعفية من الضرائب كقطاع المأكولات الخفيفة و الألبسة المستعملة والتعليم الخصوصي.

ومع تطور النشاط التجاري بالمغرب وتطور الطلب والاستهلاك تحولت إلى الاستيراد والتهريب، وبدأت بورجوازية تقوية تنتج في مجال "الطب البديل" و"الرقية الشرعية"، (ينظر مقالنا حول الرقية والفتوى الشرعية).

ما يميز البورجوازيتين هو استغلالهما لمشتركين بطريقة غير معقولة، السلطة والدين.

ورغم ما يظهر على أدائهما من الفعالية والنجاعة فهما تسعيان طبيعيا وبشكل كبير إلى الربح ولا يرتبطان فكريا وعضويا بالوطن، فهما قد ترتبطان بالنظام الحاكم وقد ترتبطان بالدولة وأشخاصها وبالامتيازات التي تقدم لهما، لكن ارتباطهما بالوطن ارتباط لاحق على ارتباطهما بالربح.

وهذه مشكلة حقيقية لوجود الدولة واستمرارها، فهم يظهرون بهذا المعنى كمحترفي أرباح ولا يرتبطون بالوطن والتربة والعيش المشترك إلا كأسواق تجارية ومستهلكين.

- د. سعيد جعفر، عضو المجلس الوطني للإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية