الاثنين 24 سبتمبر 2018
كتاب الرأي

يوسف لهلالي: تحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى وسيلة لنشر الأخبار الكاذبة؟

يوسف لهلالي: تحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى وسيلة لنشر الأخبار الكاذبة؟ يوسف لهلالي

تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورا كبيرا في تدفق الأخبار بمختلف أنواعها، بل شكلت ثورة حقيقية في تسهيل التواصل والدفاع عن حقوق الأفراد من التعسف وتحول العديد من المواطنين بهواتفهم المحمولة الى وسائل لتصوير لأحداث ولقطات نادرة وأحيانا يقومون بترويج أخبار دون معرفة حتى مصدرها والهدف من نشرها. لكن الأمر السلبي في هذه الثورة التكنولوجية هو سهولة الخلط  أحيانا بين  الحقيقة مع الإشاعة، أو الأخبار الزائفة وهو ما أصبح يعرف  بـ"الفاك نيوز" وجعل العديد من المحترفين يستغلون هذا الوسائل وهذا الجمهور لنشر أخبار زائفة تحقق  لهم ربحا من خلال نجاح فيديوهاتهم أو من خلال بيع كتب المؤامرة أو لخدمة جهة معينة او دولة ما ومصالحها. وهو ما يجعل أغلب الصحفيين المهنيين عبر العالم يقضون وقتا طويلا في التحقق من ملايين المعلومات التي تروج يوميا والتأكد من صحتها قبل نشرها أو الحديث عنها حفظا للمصداقية والمسؤولية الأخلاقية والقانونية، في حين أن هذه الإلتزامات تغيب عن وسائل التواصل الإجتماعي. وكشفت دراسة للأكاديمية الأمريكية للعلوم أن "وسائل الإتصال الإجتماعي مثل فايسبوك وتويتر والواتساب تساعد على نشر معلومات مغلوطة وكذلك نظرية المؤامرة والشائعات بمختلف أنواعها، هذه الدراسة التي نشرتها صحيفة الإنديبندنت" البريطانية، وأبرزت أن خطورة الإنتشار تكمن في أن الأشخاص يميلون لتواصل ومشاركة الأخبار مع من يتفقون معهم في المواقف في صفحات معينة، ثم يعيدون نشرها دون الشك في احتمال خطئها خاصة أنها قادمة من دوائر الثقة القريبة منهم". وهذه الإشاعات تكون مختلفة حسب الجهات التي قامت بترويجها، قد تكون سياسية ربما تؤدي إلى انتشار السخط والعداء ضد المؤسسات القائمة وتهدد الأمن العام، مثل ما حدث عدة مرات بالمغرب من خلال نشر صور مآسي إنسانية واجتماعية لا علاقة لها بالمغرب وتقديمها على أساس ذلك. وقد تكون اقتصادية تشكك المستهلك في جودة منتوج ما وخطورته على الصحة أو يتضمن مواد محرمة دينيا، وهي إشاعة أطلقت على العديد من المشروبات أو إشاعة أخلاقية تستهدف شخصية عامة ويتم نشرها لتشويه صورة المعني أو إشاعة صحية تتحدث عن وجود مرض خطير مما يؤدي إلى حالة الرعب بالمجتمع ويتم نشرها عبر الفايس بوك أو الواتساب دون التأكد من صحتها أو من مصدرها. وهذه الأخبار تسمى في الإعلام الأمريكي الفاك نيوز وترويج المؤامرة

Fake News et la circulation de la théorie du complot

هذه التقنيات الجديدة استعملت في الإنتخابات ومن أجل التأثير فيها في اتجاه معين ولصالح طرف دون آخر، في الولايات المتحدة الأمريكية مكنت من نجاح رئيس غير معروف في الحقل السياسي، من دون حزب ومن دون شبكة  سياسية محلية أو وطنية بالولايات المتحدة الأمريكية و من خلال اعتماد ترويج الإشاعة والحديث عن المؤامرة. وهو ما سهل اقصاء مرشحة أخرى وهي هيلاري كلينتون، من خلال الإشاعات وتسريب معلومات خاصة بها عندما كانت في المسؤولية، و أخرى كاذبة ليس لها أي أساس من الصحة. ولم تتردد واشنطن باتهام موسكو في التدخل في هذه الإنتخابات من خلال ترجيح كفة مرشح ضد الآخر وتسريب معلومات وإطلاق إشاعات وهي عملية تمت بتعاون مع دولة أجنبية في حال تؤكد هذه الأخبار من طرف القضاء وهو تعاون مرشح أمريكي مع مخابرات دولة أجنبية، قد يكلف ذلك الرئيس الأمريكي منصبه بالبيت الأبيض. هناك تكمن خطورة وسائل التواصل في ترويج إشاعات تضر بمصالح مجتمعات وتعمل لصالح مصالح بلدان أجنبية دون الوعي بذلك إلا المساهمة في ترويج الإشاعة بل تحقيق "السبق" من خلال بعثها إلى أكبر عدد ممكن من الأصدقاء والمعارف.

 فرنسا أثناء انتخاباتها الرئاسية والتشريعية الأخيرة استفادت من الدرس الأمريكي وحصلت على مساعدة أمريكية في هذا المجال، وتمكنت من إنقاذ انتخاباتها والحد من تأثير الاشاعة ونظرية المؤامرة التي انتشرت على المواقع الإجتماعية والتي استغلها وأشاع بعضها حزب اليمين المتطرف لمارين لوبين من أجل قلب المعادلة الانتخابية لصالحه واستغلال سذاجة الملايين من المترددين على الشبكات الإجتماعية والذين يعتقدون في كل ما يكتب أو يسمع أو يشاهد، من دون طرح أسئلة أو التحقق من خلال مشاهدة او متابعة مصادر إخبارية أخرى او مختلفة. وهي إشاعات شاركت فيها رئيسة هذا الحزب التي اتهمت أثناء الحملة  منافسها ايمانييل ماكرون على الهواء مباشرة في أحد البرامج الحوارية بالتوفر على حسابات في الخارج، دون أن تتمكن من النجاح في هذه العملية، رغم التحرك الكبير الذي تم عبر شبكات التواصل الإجتماعي خاصة من روسيا والولايات المتحدة الأمريكية دون النجاح هذه المرة في قلب مسار الإنتخابات.

هذا الوضع، دفع الرئيس الفرنسي إيمانييل ماكرون في تهاني رأس السنة لصحافة  في 3 من يناير في التفكير في وسيلة لمحاربة الإشاعة اثناء الحملات الإنتخابية، وهو ما جعل كل الطبقة السياسية تتساءل حول كيفية تطبيق هذا القانون لمواجهة الإشاعة والأخبار الزائفة التي تنتشر في المواقع الإجتماعية والشبكة العنكبوتية خاصة أثناء الإنتخابات التي يستفيد منها على الخصوص اليمين المتطرف والحركات السياسية الشعبوية أو بعض الدول التي وجدت فيها وسيلة لمواجهة الديموقراطيات الغربية مثل روسيا الفيدرالية والتي لها وسائل إعلام تساهم في ممارسة الدعاية أكثر من البحث عن الاخبار، وهو الانتقاد الذي لم يتردد في قوله الرئيس الفرنسي إيمانييل ماكرون عند استقباله لفلاديمير بوتين بقصر فيرساي في سنة 2017  حيث اعتبر في إجابته على أحد الصحفيين الروس أن ما تقوم به قناة سبوتنيك أو روسيا اليوم هو دعاية وممارسة التأثير أكثر من نقل الأخبار.وهو ما يهدد الديموقراطية والإشاعة لعبت دورا في تحقق البركسيت ببريطانيا ونجاح دونالد ترامب بالولايات المتحدة الأمريكية.

انتشار الشائعات الكاذبة يساعد أيضا مؤيدي المؤامرة، وهو أمر يحدث ارتباكا داخل المجتمع، أحد الدراسات الفرنسية بينت عدد الفرنسيين الذين يمتنعون عن تلقيح أبنائهم ويعتبرون ذلك مؤامرة من الشركات الكبرى، البعض الآخر يعتبر أن مرض السيدا تم صنعه في المختبرات الأمريكية وتم تجريبه بإفريقيا قبل أن ينتشر عبر العالم، أو أن داعش هي من صنع القوى الكبرى أو أن هجوم  11 شتنبر 2001 بنيويورك دبره الأمريكيون أو سمحو به، البعض الآخر يعتبر أن نزول الإنسان فوق القمر ليس صحيحا وهو مجرد افتراء ولائحة الاشاعات طويلة خاصة لدى المؤمنين ببعض المعتقدات والذين ينتظرون نهاية العالم ويعتقدون أن لهم مؤشرات عن الإقتراب الكبير لساعة النهاية. وهو إشاعات ونظريات للمؤامرة تتواجد أكثر وسط الشباب أكثر من الكهول حسب نفس الدراسة.

دراسة فرنسية أجراها معهد إيفوب لصالح مؤسسة "جون جوريس" ومرصد "كونسبيرسي وتش" بينت ان 79 في المائة من الفرنسيين يؤمنون بنظرية المؤامرة وهو ما يشكل "ظاهرة اجتماعية كبيرة ومقلقة "في بلد اغلب سكانه متعلمون بل لهم تعليم عالي، وهو ما جعل الرئيس الفرنسي ايمانييل ماكرون يعمل على وضع قانون لمحاربة الأخبار المزيفة والمنتشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي. ومن أهم هذه المعتقدات المنتشرة داخل المجتمع الفرنسي" أن المخابرات الأمريكية هي التي قد تكون وراء اغتيال جون كينيدي في الستينات. من ارتكب الإعتداءات ضد مجلة شارلي إيبدو الفرنسية في يناير 2015؟ وهل الأرض مسطحة، أم دائرية.

المغرب هو الاخر يعاني من هذه الظاهرة وهو تفشي الأخبار الزائفة التي يستعملها البعض ممن يدعون الصحافة في اابتزاز الضحايا، بالإضافة إلى الاخبار الكثيرة التي تروج في الشبكات الاجتماعية والشبكة العنكبوتية إلى حد اعتبار كل ما تتناقله هذه الوسائل هو معلومات زائفة وإشاعة، وبدون مصداقية، هذه الوسائل التي تعتبر تقنيات تمكن المواطن من نقل المعلومة من عين المكان في حال تعذر وجود صحفيين مهنيين بعين المكان.

الحكومة المغربية مثل نظيرتها الفرنسية اختارت الإجابة عن هذه الظاهرة السلبية والخطيرة والتي تهدد الإعلام من خلال ترسانة قانونية لمواجهة انتشار الأخبار الزائفة ومعاقبة كل الذين يستفيدون من هذا الريع الجديد من خلال ابتزاز المواطنين أو بعض المسؤولين من خلال ترويج الأخبار الزائفة حولهم أو العمل لأطراف وجهات لا يعرفونها. وهي مبادرة تسعى إلى القطع مع الأخبار الزائفة، التي تمس بالحياة الشخصية للأفراد والمؤسسات الاقتصادية أو السياسية أو الأمنية وما يترتب عن ذلك من مخاطر مثل ضرب الإستقرار السياسي والإقتصادي والإجتماعي لبلد معين ويمكن أن يشعل الفتنة بمنطقة بأكملها. الكل يتذكر صورة كلبة تقوم بإرضاع طفل أو أطفال في البرد والثلج وهي كلها صور اتبت التحقيقات الرسمية أنه سبق نشرها سابقا لبلدان لا علاقة لها بالمغرب، لهذا يطرح السؤال لماذا ترويج هذه الإشاعات عبر الشبكات الإجتماعية ولمصلحة من يتم إشاعتها خاصة في الظروف الصعبة التي عرفتها العديد من المناطق المغربية من احتجاجات؟ وهو ما يجعل السؤال مشروعا عن العلاقة بين من ينشرون هذه الصور مع الذين يرددون تصريحات معادية تتهم المغرب بنشر المخدرات بالمنطقة؟ وهنا يكون السؤال مشروعا حول علاقة بعض الإشاعات ببعض الأجندة الخارجية لبعض الدول التي تحاول إخراج الإحتجاجات الإجتماعية بالمغرب عن إطارها الإجتماعي وإعطائها بعدا آخرا لا علاقة له بالواقع.

الخلط بين الحقيقة والإشاعة سيعرف تطورا رهيبا في المستقل القريب، من خلال التطور الكبير الذي تعرفه البرمجيات "لوجيسيال" حيث يمكن لشخص ما أن يصنع تصريحات لشخصية عمومية من خلال استعمال صورتها وصوتها الحقيقي لإنتاج الفيديو فهو يحتاج لـ3 دقائق حقيقية، حيث يتم استعمال الصورة والصوت الحقيقيين رغم أن الفيديو هو زائف. وهو برنامج تم تطويره من طرف باحثين من جامعة ستانفورد الأمريكية، حيث تم استعمال فيديوهات دونالد ترامب مع أحد القنوات الأمريكية ويقوم كوميدي بتقليدها ووضعها على الصورة الحقيقية لرئيس، وهو ما يعطي انطباعا انه يقوم بتصريح دون أن يكون ذلك صحيحا. و من الصعب التفريق بين الحقيقة والكذب عند مشاهدة الفيديو بالعين المجردة، والتفريق بين الصور الحقيقية التي استعملت والتصريحات بصوت الشخص التي يتم إنتاجها بشكل اصطناعي وهو ما يجعل المستقبل كبيرا أمام "الفاك نيوز" خاصة أن المعلومات المتوفرة حتى الآن هو أن هذه البرمجيات تجربها عدة جامعات أمريكية ولم يصل بعد إلى العموم.