الخميس 13 ديسمبر 2018
سياسة

رشيد لزرق: الشعبوية أربكت المقاربة المؤسساتية لإعمال سلطة القانون وأضعفت برامج الأحزاب

رشيد لزرق: الشعبوية أربكت المقاربة المؤسساتية لإعمال سلطة القانون وأضعفت برامج الأحزاب الأستاذ رشيد لزرق (يسارا) وسعد الدين العثماني رئيس الحكومة

صحيح أن دستور 2011 جاء بمكتسبات قوية، يقول المحلل السياسي رشيد لزرق، في حديث له مع "أنفاس بريس"، مضيفا بأن قوة أي دستور ليست في نصه فقط، بل في إمكانية تحويله إلى إرادة سياسية قادرة على تفعيله تجعله ممارسة حقيقية، وواقعا معاشا، يخلق ديناميكية سياسية واقتصادية واجتماعية. غير أن هذه الديناميكيات، يستدرك لزرق، لم تتحقق بعد، فمرحلة الشعبوية أربكت المقاربة المؤسساتية لإعمال سلطة القانون وأضعفت برامج الأحزاب، ما جعل العمل الحكومي يعطي انطباعا بعدم القدرة على فعل أي تغيير.

وأعتقد، يتابع محدثنا، أن المشهد السياسي بات يعرف اضطرابا سياسية بالنظر للانقسامات التي عرفها حزب البيجيدي بعد فشل بنكيران في تشكيل الحكومة، وما تبعه من تفاعلات جعلت حكومة العثماني منقسمة منذ الأساس بين جناحين: جناح يريد المحافظة على ممارسة التي نهجها بنكيران الذي يعتبر إعفاءه إهانة، وجناح يريد إرساء تصور جديد في عمل الحكومة قوامه الفعل وليس الإفراط في الكلام. ولهذا أرى بأن أول شيء يجب عمله في الوقت الراهن هو تعديل حكومي موسع لتجاوز منطق بلوكاج النشأة، كي تكون هناك حكومة منسجمة متضامنة فيما بينها، يتولى العثماني حمايتها من التشويش ومختلف القذائف التي تتعرض لها من طرف بعض أعضاء حزبه، خاصة التيار المزايد، من خلال حزام المسؤولية السياسية التي يؤمن مستقبلها، وكذلك بحسم سياسي واضح من لدن الحزب الأول المساند للحكومة أو الخروج للمعارضة. فليست هنالك خيارات أخرى ومنزلة بين المنزلتين، لكون واقع التيه الذي يعيشه العثماني، ومعه التيار البرغماتي، جراء التشويش الذي يصطنعه التيار المزايد، يفسره الخروج الميداني لبعض أعضاء الحكومة والحديث بأن ازدواجية المواقف لدى حزب رئيس الحكومة الذي أصبح يهدد تسيير الشأن العام، ويمثل خطرا على الديمقراطية لما فيه من إرباك للحكومة وبعث رسائل عدم الثقة. كل ذلك يجعل الحكومة في كف عفريت.. هذا في وقت ينتظر فيه المواطنون المغاربة من الحكومة تقديم حلول تتعلق بتشغيل أبنائهم وإحداث التنمية في المناطق وتحسين نسبة النمو، كخيار الأمثل المطروح.

ويردف لزرق أنه لم تعد الطموحات الشخصية لدى بعض أعضاء تيار المزايد خافية على أحد، ولكنها قد تشكل أيضاً عائقاً أمام استمرار الحكومة، ومصدر إزعاج لأكثر من جهة سياسية، خاصة وأن بعض الأعضاء، الذين عمل العثماني على إقصائهم من العضوية في الأمانة العامة، يرون أنه يوجد هناك داخل الحكومة شخصيات هم أكثر منها كفاءة وعطاء، والفرصة مناسبة حاليا للدخول للحكومة عن طريق المزايدة، لكون التجربة الحكومية لن تتكرر في 2021. وهذا كله يجعل مستقبل العثماني ومستقبل الحكومة محكوماً بقدرته على الصمود في مواجهة التيار المزايد، وفي قدرته على خلق تواصل داخل الأغلبية لتجاوز عوامل الانحباس السياسي واللحظات العصيبة. كما أن الحكومة الحالية مطلوب منها الفعالية عبر أكثر من جبهة، بدءا باستكمال البناء الدستوري، ثم تحقيق شروط لتغيير النموذج الاقتصادي، وتكريس التنمية لمواجهة الغضب الاجتماعي، بالإسراع في تنزيل الجهوية الموسعة كواقع معاش، والمحافظة على الاستقرار أمام الأوضاع الداخلية، والاستحقاقات الدولية عبر ترتيب الأولويات.

هذه التحديات، يضيف محاورنا، على الحكومة الحالية إنجاحها، وحكومة العثماني هي الآن على المحك للخروج من مرحلة الشعبوية وتكريس مرحلة الفعل السياسي البناء، الذي يقوم لزوما، على شرعية الإنجاز الفعال، والتي تحتم مواجهة التحديات الاجتماعية والاقتصادية، التي هي سياسية نعرفها.

ولعل البداية، يستطرد، تستوجب تجاوز حكومة البلوكاج، من خلال تعديل حكومي موسع، كما أن العثماني كرئيس حكومة مدعو إلى مأسسة عمل الأغلبية الحكومية من خلال خلق ميثاق الأغلبية بين الأطراف الحزبية المشتركة في الأغلبية، بسلك نهج سياسي يقوم على تفكيك الألغام السياسية، وتقوية العمل الجماعي التوافقي المبني على الوضوح والشفافية، ومثل إقرار المسؤولية بالمحاسبة، واعتبار رئيس الحكومة شخصا يجب أن يحظى بثقة كل أطراف الأغلبية واحترامها. هذه الثقة تخول له إيجاد الحلول وفق سند سياسي قوي، جامع لكل أطراف التحالف الحكومي، وفي إطار الانفتاح وإشراك المعارضة، بغية إحداث توافق وطني حقيقي لكسب تحديات الراهن والمستقبل بأقل التكاليف الممكنة وتجنب تكرار أخطاء الماضي القريب والبعيد. وهذا وحده كفيل بالتمكن من خلق استراتيجية مستعجلة، تهم التسريع في معالجة الاختلالات التدبيرية من نقص التنمية والحرمان والفقر والتهميش والبطالة ومعالجتها بطريقة مقنعة تصاغ في شكل مخطط وطني.