الجمعة 26 إبريل 2019
كتاب الرأي

رشيد صفـر : مُجرَّدُ أفكارٍ "ورديَّة"...

رشيد صفـر : مُجرَّدُ أفكارٍ "ورديَّة"...

من حظ طلبة الطب التعس، أن منحتهم الحكومة وزيرا عاشقا للأفكار التي يمكن إلباسها ثوب "الأحلام الوردية"، وكنيته "وردية" فهو "الوردي"، الذي يرمي الورود للمناطق النائية ويرمي أفكارا عبارة عن "أشواك" لطلبة الطب، ومن المعلوم أن من يريد الورد عليه تحمل أشواكه، والمفارقة أن الطلبة لا يريدون أفكار "الوردي" لأنها في نظرهم أشواك "ستتكهم" دون أن يستمتعوا برحيق ورود الوردي الخيالية.

دعونا نعرج على تفاصيل وردة الوردي، وما وراءها من نتائج في الحاضر والمستقبل. هي وردة ظاهرها جميل وباطنها قبيح بالنسبة للطلبة وقطاع الطب. وردة لونها وردي. من نباتات الحكومة التي تعيش في الظل. لا تتحمل حرارة الشمس والأضواء الكاشفة. تتكاثر في المناطق القروية. لا تتحمل طقس المناطق الحضرية. تعطي ثمارها موسمين. لا تعمر كل وردة أكثر من سنتين كبيستين وبعدها تموت بعدم التحاق المتخرج بالوظيفة العمومية والرمي إلى "الثمار المجهولة". هي وردة عبارة فقط عن فكرة يمكن أن تكون مصيبة في القطاع، المُصاب أصلا بالمصائب.

مقابل وردة الوردي يشهر الطلبة مطالبا هي عبارة عن أشواك بالنسبة لـ "الوردي"، لأنهم يطالبون بعدم رميهم بعدم الاستمتاع بالوردة سنتين. يطالب الطلبة بالرفع من أجورهم بعد الالتحاق بالخدمة، والرفع أيضا من ميزانية الوزارة لتجهيز المستوصفات والرفع من عدد المناصب المالية بالقطاع ليستفيد المغاربة من عدد كبير من الأطباء بالقطاع العام. هي إذن شوكة بالنسبة للحكومة ومعها "الوردي" صاحب الأفكار.

من أشواك الطلبة التي "تتك" الوردي، تجهيز المراكز التي سيلتحقون بها في المناطق النائية بـ "جهاز تخطيط القلب" و"جهاز الفحص بالصدى"، و"أجهزة قياس السكر و تحليل البول"... ولا يمكن أن تكون هذه المعدات سوى أشواكا بالنسبة للميزانية التي تشرف عليها وزارة الصحة.

شوكة خطيرة يضعها الطلبة في حلق الخدمة الإجبارية، إذ يقولون أن الدولة تصرف الأموال لتكوين الأطباء خدمة للصحة العمومية، ومن خلال الخدمة الصحية سوف تضرب الوزارة بعرض الحائط الحق في التطبيب في القطاع العمومي، إذ تستهدف الوزارة توفير 1200 طبيب سنويا، لكن بالمقابل ترميهم للقطاع الخاص بعد استغلالهم سنتين، وعلما أن القطاع الخاص (الذي سيلتحق به لا محالة منفذو الخدمة الإجبارية بعد سنتين إذا ما عاشت وردة الوردي وسقتها الحكومة)، يستقبل فقط مرضى الطبقة المتوسطة والغنية، فإن الفقراء لن يستفيدوا من أطباء الخدمة الإجبارية ولن يجدوهم بالمستوصفات العمومية، لأنهم حتما سيجدون أبواب الوظيفة العمومية مغلقة. وعلما أن (القانون 113 – 13) يسمح لأصحاب رؤوس الأموال "مالين الشكارة" بإنشاء المصحات الخاصة، فسيجد أطباء المستقبل باب المصحات الخاصة بالمدن مفتوحا ولن يلتقي المريض الفقير في المناطق النائية مرة ثانية داخل المستشفى العمومي بالطبيب الذي صرفت الدولة أمولا طائلة لتكوينه بالكليات العمومية.

الخدمة الإجبارية هي فقط مسودة عبارة عن أفكار من الوردي، لكن الطلبة يقارعون وردة الوردي الحالمة، بلغة الواقع والأرقام المضبوطة ومن سوء حظ الوردة غير الوردية أن مصدرها وزارته نفسها وما تتخبط فيه من أشواك مرتبطة بأزمة استفادة المغاربة من قطاع الصحة وانتشار التذمر من واقع هذا القطاع الذي يعتبر من سوء حظ الأفكار الوردية، علامة بارزة على تقدم الأمم.

فهل تنتصر الأفكار الوردية على الواقع الأسود في مجال الصحة العمومية !! ؟؟.