احتضنت الرباط لقاءً علمياً رفيع المستوى جمع نخبة من الخبراء المتخصصين في علم الجينوم وحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، وأسفر هذا اللقاء عن صياغة 17 توصية استراتيجية تهدف إلى وضع إطار وطني متكامل لتنظيم استخدام المعطيات الجينية في المغرب .
وفي الوقت الذي يفتح فيه الطب الجينومي آفاقاً غير مسبوقة في مجالات التشخيص المبكر، والوقاية الدقيقة، والعلاجات الموجهة حسب الخصائص الوراثية لكل فرد، يضع المغرب لبنة أساسية في بناء منظومة أخلاقية وقانونية تحكم التعامل مع أكثر المعطيات حساسية على الإطلاق، وهي المعلومات الوراثية للمواطنين.
وقد جاء هذا التقرير، المعنون بـ" لائحة التوصيات المتعلقة بمعالجة المعطيات الجينومية بالمغرب"، ليبلور رؤية طموحة ودقيقة لحوكمة المعطيات الجينية داخل المملكة.
هذا العمل هو ثمرة مجهود علمي امتد من مايو 2022 إلى مايو 2025، وشارك فيه خبراء في الوراثة والطب والقانون والأخلاقيات، وانتهى إلى وضع 17 توصية تروم ضمان أن تتطور الثورة الجينومية في المغرب في إطار يحترم كرامة الإنسان، ويحمي حياته الخاصة، ويصون استقلاله العلمي والتكنولوجي.
معطيات تفوق في حساسيتها كل ما هو معروف
تختلف المعطيات الجينومية عن سائر المعلومات الطبية التقليدية، لأنها لا تكشف فقط عن الخصائص البيولوجية للفرد، بل تمتد لتشمل معلومات عن أقاربه، وأصوله الوراثية، واستعداداته للإصابة بأمراض معينة، بل وقد توفر معطيات ذات دلالات تخص مجموعات سكانية كاملة.
ويرى الخبراء أن هذه المعطيات تمثل ثروة علمية واستراتيجية بالغة الأهمية، وأن أي استعمال غير منظم لها قد يؤدي إلى انتهاكات خطيرة للخصوصية، أو إلى ممارسات تمييزية، أو إلى استغلال تجاري غير مشروع.
ولهذا شددت التوصية الأولى على ضرورة توفير حماية معززة لهذه المعطيات على المستويات الأخلاقية والقانونية والتكنولوجية.
الموافقة المستنيرة… حجر الأساس في كل تحليل جينومي
أكد التقرير بوضوح أنه لا يجوز إجراء أي تحليل جيني أو جينومي إلا بعد الحصول على موافقة حرة ومستنيرة ومحددة ومكتوبة وقابلة للتتبع من الشخص المعني أو من يمثله قانونياً.
كما أدخل الخبراء مفهوم " الموافقة الديناميكية "، الذي يتيح للمريض إمكانية تعديل موافقته أو سحبها في أي وقت، كلما ظهرت استخدامات جديدة أو أهداف إضافية لمعطياته الوراثية.
ويعكس هذا المفهوم الطبيعة المتطورة للمعرفة الجينية، ويمنح المواطن سيطرة مستمرة على أكثر بياناته خصوصية.
طب دقيق تحت رقابة صارمة
وضعت التوصيات إطاراً شاملاً يغطي جميع مراحل التعامل مع المعطيات الجينومية، بدءاً من وصف التحليل وإجرائه، مروراً بتفسير النتائج، ووصولاً إلى حفظ البيانات وأرشفتها أو إتلافها ومشاركتها.
ولا يجوز استخدام هذه المعطيات إلا في ثلاث غايات محددة بدقة: الرعاية الطبية الشخصية، والبحث العلمي المرخص له، والأغراض التي ينص عليها القانون ، بما في ذلك الأغراض القضائية.
أما أي استخدام جديد خارج الهدف الأصلي، فيستوجب إخبار الشخص المعني بشكل كامل، والحصول على موافقة صريحة جديدة إذا اقتضى الأمر.
سرية مشددة وأمن معلوماتي عالي المستوى
أوصى التقرير بإرساء بنية أمنية متقدمة تعتمد على التشفير، وإخفاء الهوية الجزئي، وتسجيل جميع عمليات الولوج إلى البيانات، وإجراء عمليات تدقيق دورية ومنتظمة.
ولا يحق الاطلاع على هذه المعلومات إلا للأشخاص المخول لهم قانوناً ومهنياً.
كما يتعين على المختبرات والجهات المسؤولة عن المعالجة إثبات امتثالها الدائم لمقتضيات القانون رقم 09-08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، وهو النص المرجعي في مجال حماية البيانات بالمغرب.
لا مكان للتمييز الجيني
من بين أقوى ما ورد في هذه التوصيات الحظر الصريح لأي استعمال تمييزي للمعطيات الجينومية.
فلا يجوز استخدام هذه المعلومات لاستبعاد شخص من وظيفة، أو حرمانه من التأمين، أو المساس بحقوقه في أي إجراء قد يخل بمبدأ تكافؤ الفرص.
وبذلك يجعل التقرير من الكرامة الإنسانية محوراً أساسياً لكل سياسة وطنية في مجال الجينوم.
الاختبارات الجينية الموجهة مباشرة للمستهلك تحت المجهر
خصص التقرير توصية خاصة للاختبارات الجينية التي تباع مباشرة للمستهلكين دون وصفة طبية أو مواكبة من مختصين.
وحذر الخبراء من مخاطر التفسير الخاطئ للنتائج، وما قد يترتب عنه من قلق غير مبرر، إضافة إلى احتمال نقل المعطيات الوراثية إلى جهات خاصة دون رقابة كافية.
وأكدوا أن هذه الممارسات يجب أن تخضع لنفس شروط الشرعية والشفافية والأمن التي تؤطر التحاليل المنجزة داخل المؤسسات الطبية المعتمدة.
السيادة الجينية… رهان وطني جديد
لا يقتصر هذا التقرير على الجوانب الطبية والقانونية، بل يطرح مفهوماً استراتيجياً جديداً هو "السيادة الجينية للمغرب".
فالمعطيات الجينومية ليست مجرد بيانات علمية، بل تمثل رصيداً وطنياً ذا قيمة علمية واقتصادية وحضارية كبيرة.
وحمايتها تشكل شرطاً أساسياً لتعزيز ثقة المواطنين، وضمان استقلال المملكة في مجالات البحث البيوطبي، والطب الدقيق، والذكاء الاصطناعي المطبق على الصحة.
رؤية مغربية لطب المستقبل
من خلال هذه التوصيات السبع عشرة (17) ، يؤكد المغرب عزمه على مواكبة الثورة الجينومية العالمية، مع الحرص على صون الحقوق الأساسية للأفراد.
ويضع هذا النص المملكة في مصاف الدول التي تعتبر أن الابتكار العلمي لا يمكن أن ينفصل عن الأخلاق، والشفافية، والمسؤولية.
في الكتاب العظيم للجينوم البشري، تحمل كل سلسلة وراثية قصة بيولوجية فريدة.
لكن هذه السلسلة، قبل أن تكون معلومة رقمية، تبقى أثراً حميماً لإنسان يحمل هويته الخاصة، ونقاط ضعفه، وكرامته التي لا تقدر بثمن.
ويُذكر أن هذا اللقاء العلمي وإعداد هذه التوصيات جاءا بمبادرة من اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي.


