vendredi 15 mai 2026
اقتصاد

أضاحي 2026 بالمغرب: وفرة في الأرقام، غلاء في الأسواق.. أين يختفي أثر العرض؟

أضاحي 2026 بالمغرب: وفرة في الأرقام، غلاء في الأسواق.. أين يختفي أثر العرض؟ عبد الوافي لفتيت، وزير الداخلية وأحمد البواري وزير الفلاحة

مع اقتراب عيد الأضحى 1447 هـ / ماي 2026، عاد ملف الأضاحي إلى واجهة النقاش العمومي في المغرب، ليس فقط بوصفه مناسبة دينية واجتماعية، بل باعتباره اختباراً حقيقياً لقدرة السوق على ترجمة وفرة القطيع إلى أسعار معقولة. فالمعطيات الرسمية تؤكد أن العرض الوطني كافٍ، بل يتجاوز الطلب، بينما تكشف الأسعار المتداولة عند الجزارين وفي أسواق الأضاحي أن المواطن لا يشعر بعد بهذه الوفرة في جيبه.


وفرة رقمية: العرض يفوق الطلب بما بين مليون ومليوني رأس
المعطى المركزي في هذا الملف هو تصريح وزارة الفلاحة بأن العرض الوطني من الأغنام والماعز المخصصة لعيد الأضحى هذه السنة يتراوح بين 8 و9 ملايين رأس، مقابل طلب متوقع بين 6 و7 ملايين رأس. معنى ذلك، حسابياً، أن السوق يفترض أن يتوفر على فائض يتراوح بين مليون ومليوني رأس. كما تشير المعطيات الرسمية إلى أن القطيع الوطني يناهز حالياً 40 مليون رأس، وأن عدد الضيعات المسجلة لتربية وتسمين أضاحي العيد بلغ حوالي 160 ألف ضيعة.  


هذه الأرقام، إذا أخذناها بمعناها المباشر، تنفي فرضية وجود ندرة وطنية حقيقية. فالمغرب، حسب التصريحات الرسمية، لا يعيش أزمة عدد رؤوس، بل يواجه مشكلة أكثر تعقيداً: كيف يصل هذا العرض إلى المواطن؟ وبأي ثمن؟ ومن يتحكم في الطريق بين الكساب والمستهلك؟

 

سياق 2025: سنة استثنائية ما زالت تلقي بظلها
لفهم سوق 2026، لا بد من العودة إلى سنة 2025. فقد كانت تلك السنة استثنائية بسبب التراجع الكبير في أعداد الماشية، وهو ما ظهر بوضوح في الرسالة الملكية التي دعت إلى عدم القيام بشعيرة ذبح الأضحية، استحضاراً للتحديات المناخية والاقتصادية وتراجع القطيع، خصوصاً حمايةً للفئات محدودة الدخل.  


وفي غشت 2025، أعلنت وزارة الفلاحة نتائج إحصاء القطيع الوطني، حيث بلغ مجموع الماشية 32.832.573 رأساً، منها 23.158.248 رأساً من الأغنام و7.474.172 رأساً من الماعز و2.094.109 رأساً من الأبقار و106.044 رؤوس من الإبل.  


بناءً على ذلك، فإن حديث 2026 عن قطيع يناهز 40 مليون رأس يعكس تحسناً مهماً، لكنه تحسن يحتاج إلى اختبار في السوق. فالقطيع الموجود وطنياً ليس كله موجهاً للبيع الفوري، وجزء منه يُحتفظ به للتوالد وإعادة تكوين القطيع، وجزء آخر قد يتحكم أصحابه في توقيت طرحه انتظاراً لأفضل سعر.

 

لماذا لا تعني الوفرة انخفاضاً فورياً في الأسعار؟
السؤال الجوهري هو: إذا كان العرض يفوق الطلب، فلماذا ما زالت الأسعار مرتفعة؟
الجواب أن سعر الأضحية لا تحدده الوفرة العددية وحدها. هناك كلفة الانتاج، ثم هامش ربح الكساب والتاجر والوسيط. لذلك يمكن أن يوجد عرض وطني كافٍ، لكن السعر النهائي يبقى مرتفعاً بسبب اختلال سلسلة التسويق.

في بعض الأسواق، تشير المعطيات الإعلامية إلى أن أسعار الأضاحي المتوسطة تدور بين 3000 و4000 درهم، مع تفاوت واضح حسب السلالة والحجم والمنطقة.   أما عند الجزار، فقد اقترب سعر لحم الغنم من مستويات عالية جداً، حيث تحدثت تقارير حديثة عن أسعار تراوح 150 درهماً للكيلوغرام لدى الجزارين، مع تسجيل سعر الخروف الحي في مجازر الدار البيضاء بين 75 و80 درهماً للكيلوغرام في 14 ماي 2026. وباحتساب مردودية ذبح تقارب 50 في المائة، يصبح السعر الضمني للحم في حدود 150 إلى 160 درهماً للكيلوغرام.  

هذه الأرقام تكشف أن السوق لا يعاني فقط من سؤال “كم عدد الرؤوس؟”، بل من سؤال “من يتحكم في السعر بين الضيعة والمستهلك؟”.

 

السماسرة والمضاربون: صناعة الندرة غير الحقيقية
في هذا السياق يظهر دور السماسرة والمضاربين. فالمضارب لا يخلق نقصاً حقيقياً في القطيع، لكنه يستطيع خلق ندرة مرئية ومؤقتة. يحدث ذلك عبر شراء كميات مبكرة، حبس جزء من العرض، التحكم في توقيت البيع، نشر توقعات الغلاء، واستغلال ضغط الوقت مع اقتراب العيد.
السوق الموسمي للأضاحي يساعد على ذلك. فالطلب مركز في أيام قليلة، والمستهلك لا يستطيع تأجيل الشراء إلى ما بعد العيد، والمعلومة غير متوازنة بين البائع والمشتري. البائع يعرف ثمن الشراء ومصدر الأضحية وتكاليفها، بينما المواطن غالباً لا يعرف إلا السعر المعروض أمامه.
لهذا، يمكن أن تكون الأضاحي متوفرة وطنياً، لكن المواطن في مدينة كبرى لا يراها إلا بثمن مرتفع. هنا تتحول الوفرة الوطنية إلى غلاء محلي بسبب تعدد الوسطاء وتكاليف النقل والاحتكار المؤقت لبعض نقاط البيع.

 

تدخل الداخلية: اعتراف بأن الخلل في السوق لا في القطيع فقط
اجتماع وزارة الداخلية مع الولاة والعمال ومسؤولي وزارة الفلاحة وأونسا يحمل دلالة سياسية واقتصادية واضحة. فلو كان الملف تقنياً فقط، لبقي في يد وزارة الفلاحة. أما دخول الداخلية فيعني أن الدولة تعتبر الملف مرتبطاً بتنظيم الأسواق، ضبط المضاربة، مراقبة الوسطاء، وتفادي توتر اجتماعي قبل مناسبة حساسة.

 

كما أن الإعلان عن تعبئة الأسواق ونقاط البيع يعكس إدراكاً رسمياً بأن المشكل ليس فقط في الإنتاج، بل في قنوات التسويق. بعض المعطيات تحدثت عن إحصاء حوالي 565 سوقاً لبيع الماشية وتهيئة 35 سوقاً مؤقتاً لتعزيز نقاط البيع وتقريب العرض من المستهلك.  
غير أن فعالية هذه الأسواق ستتوقف على سؤال حاسم: هل ستفتح المجال فعلاً أمام الكسابين للبيع المباشر؟ أم ستتحول إلى فضاءات جديدة يتحكم فيها نفس الوسطاء؟

 

السلامة الصحية: وفرة العرض لا تكفي دون مراقبة الجودة
إلى جانب الأسعار، تبرز مسألة صحة القطيع وسلامة الأضاحي. فكلما اقترب العيد، تظهر مخاطر استعمال أعلاف رديئة أو مواد تسمين غير قانونية أو أدوية بيطرية خارج الضوابط. لذلك يكتسب دور المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية أهمية خاصة.

المعطيات المتداولة تشير إلى أن عمليات المراقبة شملت الأعلاف والمياه والأدوية ومسارات التسمين، وأن السلطات تتابع جودة القطيع المعروض. هذا مهم لأن السعر المنخفض لا يكفي إذا كان على حساب السلامة الصحية، كما أن السعر المرتفع لا يضمن بالضرورة جودة أفضل.

 

أسعار الجزار بعد العيد: هل تنخفض؟
سعر 150 درهماً للكيلوغرام عند الجزار يمثل مؤشراً قوياً على أن سوق اللحوم الحمراء يعيش ضغطاً هيكلياً، وليس فقط موسمياً. بعد العيد، من المتوقع أن يتراجع الطلب على لحم الغنم عند الجزارين لأن عدداً كبيراً من الأسر سيتوفر على لحم الأضحية في البيت. لذلك قد تظهر ثلاثة سيناريوهات.
السيناريو الأول، وهو الأرجح، أن تنخفض الأسعار بشكل محدود وتدريجي، ربما نحو نطاق 130 إلى 140 درهماً للكيلوغرام في بعض المدن، إذا ظهر فائض في الرؤوس غير المباعة وتراجع الطلب المؤقت.
السيناريو الثاني أن تبقى الأسعار قريبة من 150 درهماً، خصوصاً في المدن الكبرى أو الأحياء التي تعرف طلباً مستقراً من المطاعم والأسر التي لا تذبح. هذا ممكن إذا استمرت كلفة الجملة مرتفعة أو إذا فضل المربون الاحتفاظ بالقطيع بدل بيعه بثمن منخفض.
السيناريو الثالث، الأقل احتمالاً، هو انخفاض واضح إلى ما دون 130 درهماً، وهذا يتطلب دخول كميات كبيرة إلى الأسواق، فشل المضاربين في تصريف المخزون قبل العيد، وتشديد المراقبة على سلاسل التوزيع.