lundi 11 mai 2026
كتاب الرأي

مراد علمي: ابن بطوطة والصين.. ذاكرة وحوار(2)

مراد علمي: ابن بطوطة والصين.. ذاكرة وحوار(2) مراد علمي

تكمن أهمية مقاربة التازي في أنه انتبه مبكراً إلى قضية “الصورة المتبادلة”، أي كيف تتشكل صورة الصين داخل المخيال العربي، وكيف يمكن لهذا التراث أن يصبح جسراً للحوار المعاصر. ولذلك ظل يدعو إلى إعادة قراءة رحلة ابن بطوطة ضمن منظور حضاري عالمي، لا ضمن احتفاء تراثي ضيق.

وفي الصين نفسها، ظهر خلال السنوات الأخيرة جيل جديد من الباحثين المهتمين بما يسمى “علم الصورة ” Imagology"، وهو حقل يدرس تمثلات الشعوب لبعضها البعض في الأدب والرحلات. ومن بين هؤلاء الباحثين Kun Tang وTingting Tian وYa’nan Wu، الذين نشروا دراسة أكاديمية حول صورة الصين في رحلة ابن بطوطة، واعتبروا أن الرحالة المغربي ساهم في تقديم الصين باعتبارها فضاء متعدد الثقافات ومتسامحاً ومنفتحاً على العالم الإسلامي. ولا يقتصر الاهتمام الصيني بابن بطوطة على الجانب الأدبي أو التاريخي فقط، بل يشمل أيضاً قضايا الترجمة والطوبونيميا التاريخية. فقد اشتغل الباحث الصيني Li Guangbin  ليس على ترجمة الرحلة إلى اللغة الصينية فحسب، بل ساهم كذلك إلى جانب آخرين في تفسير أسماء المدن الصينية التي وردت بصيغ عربية قديمة داخل النص الأصلي. وهذا العمل مهم للغاية، لأنه يساعد الباحثين على فهم الجغرافيا الصينية الوسيطة كما رآها الرحالة العرب.

 

ويبدو واضحاً أن الاهتمام الصيني الجديد يرتبط أيضاً بالسياق الجيوسياسي المعاصر، خصوصاً مع إطلاق مبادرة الحزام والطريق، التي أعادت إحياء رمزية “طريق الحرير”. فالصين تسعى اليوم إلى توظيف معاهد كونفوشيوس والتاريخ الثقافي في خدمة دبلوماسيتها الناعمة، ولذلك أصبح ابن بطوطة جزءاً من السردية الصينية الجديدة حول التبادل السلمي بين الحضارات.

 

غير أن المفارقة الأساسية تكمن في أن الصين تبدو أكثر تنظيماً من العالم العربي في استثمار موروث ابن بطوطة أكاديمياً ودبلوماسياً حيث تعنون بعض اللقاءات الثقافية في المراكز الثقافية الصينية في دول عربية ب "على خطى ابن بطوطة" أو شيئا من هذا القبيل. ففي الوقت الذي تـنجز فيه دراسات صينية جديدة، وتـنظم ندوات وترجمات حول الرحلة، في المقابل، ما يزال التعامل العربي مع إرث ابن بطوطة، في كثير من الأحيان، أقرب إلى الاحتفاء الرمزي أو الموسمي، حيث يُستدعى اسمه في بعض المهرجانات الثقافية أو حين تحمل بعض المؤسسات التعلمية أو القاعات اسمه، دون أن يتحول مشروعه الرحلي إلى برنامج بحثي مغربي، عربي دولي مستدام ومتعدد التخصصات، يجمع بين التاريخ والجغرافيا والترجمة والدراسات الحضارية. ولذلك ظل ابن بطوطة حاضراً في المخيال العربي بوصفه “الرحالة الأسطوري”، أكثر من حضوره باعتباره مصدراً معرفياً عالمياً قابلاً لإعادة القراءة والإنتاج العلمي الرصين، وتتجلى هذه الأزمة في غياب مراكز عربية متخصصة في الدراسات الرحلية المقارنة، وضعف مشاريع الترجمة الحديثة، وقلة التعاون العميق والمؤسساتي مع الجامعات الآسيوية، توجد بالفعل شراكات هنا وهناك، ولكن محدودة ومجزأة، ولم ترتق بعد إلى مستوى مقاربة استراتيجية شاملة، في العمق، التحدي الجوهري والرهان الحقيقي لا يرتبط بمسألة التمويل بقدر ما يرتبط بمدى توفر إرادة مؤسساتية واضحة ومستدامة، لأن كما ندرك جيدا: في حضرة الإرادة، تذوب العوائق.

 

لقد أدركت الصين مبكراً القيمة الجيوثقافية للشخصيات التاريخية المرتبطة بطريق الحرير، فحولت أسماء بعض البحارة الصينيين ك "دجـنـغ خـو" Zheng He  إلى رموز للحضور الحضاري الصيني في العالم، من خلال الدبلوماسية الثقافية والإنتاج الأكاديمي والمشاريع التذكارية الكبرى، و"دجنـغ خو" Zheng He (1371–1433)  هو بحار صيني مسلم من أصول قومية صينية تلقب ب "خوي" (Hui)، قاد بين 1405 و1433 سبع رحلات بحرية كبرى لصالح سلالة  "الـمينغ"، وصلت إلى سواحل جنوب شرق آسيا، الهند، الخليج العربي، وشرق إفريقيا، ضمن أسطول ضخم يعد من الأكبر في العصور الوسطى، وقد ساهمت رحلاته في ترسيخ حضور الصين البحري في المحيط الهندي. ورغم هذا الثقل التاريخي، لا يزال اسمه أقل تداولاً في السياق العربي مقارنة بحجمه الجيوسياسي.

 

وفي المقابل، ما يزال العالم العربي متأخراً نسبياً في تحويل شخصيات بحجم ابن بطوطة إلى مشاريع معرفية دولية مستدامة، رغم المكانة العالمية الفريدة التي يحتلها بوصفه أحد أعظم الرحالة في التاريخ الإنساني، وصاحب واحدة من أوسع الشهادات العربية عن آسيا والصين في العصر الوسيط. ولذلك تبدو الحاجة اليوم ملحة إلى بناء شراكات أكاديمية مغربية - صينية تعيد قراءة التراث الرحلي العربي ضمن منظور حضاري معاصر، يقوم على الترجمة والبحث التاريخي والدراسات العابرة للثقافات.

 

إن أهمية ابن بطوطة اليوم لا تكمن فقط في كونه رحالة مغربيا وصل إلى الصين، بل في كونه شاهدا مبكرا على إمكانية التعايش والتفاعل بين حضارات متباعدة جغرافيا وثقافيا. ولذلك فإن إعادة قراءة موروثه تمثل فرصة لبناء خطاب ثقافي جديد يقوم على المعرفة المتبادلة بدل الصور النمطية.

 

ويمكن على سبيل المثال بلورة مشروع أكاديمي مشترك لدراسة تمثلات “الآخر” في الرحلات العربية والصينية خلال القرنين 14 و15، أو برنامج بحثي مقارن حول رحلات ابن بطوطة و "دجنغ خو"Zheng He  لفهم التبادل الحضاري الإسلامي– الصين أو خلق منصة بيانات مفتوحة لتحليل المسارات الجغرافية والتجارية في الرحلات العربية والصينية، وما أحوجنا اليوم إلى هذه القامات الاستثنائية التي تعزز قيم الصلح والسلام والتعاون بدل الانزلاق نحو دوائر العنف والتصعيد.

 

وأخيراً، يمثل افتتاح "فضاء عرض ذاكرة ابن بطوطة" ببرج النعام في القصبة القديمة منذ فبراير 2022، إضافة نوعية لساكنة طنجة وزوارها احتفاء بإرث الرحالة المغربي الفذ، بعد عقود من النسيان لموروثه الحضاري. فالرجل الذي يحتفى به عالميا ظل طويلا خارج المشاريع الثقافية الكبرى بالمغرب. غير أن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في الواجهة المعمارية للمتحف، بل في تحويله إلى رؤية أكاديمية ومؤسساتية أكثر عمقا، وهذا إلى مركز دولي للدراسات الرحلية والحوار الحضاري، قادر على ربط تراث ابن بطوطة بالبحث الأكاديمي والتبادل الثقافي 

العربي ـ الصيني والعالمي. وهو ما سيفتح أفقا واعدا لإعادة إحياء هذا الإرث في بعده الكوني.

 

 

مراد علمي / أستاذ جامعي المغرب، ألمانيا، والصين من المغرب إلى بلاد التنين: تأملات في أربعة كتب حول الصين