vendredi 1 mai 2026
كتاب الرأي

نجيبة قسومي: فاتح ماي...في الحاجة إلى فاعل اقتصادي يحترم الحقوق ويضع الشغيلة في صلب العملية الإنتاجية

نجيبة قسومي: فاتح ماي...في الحاجة إلى فاعل اقتصادي يحترم الحقوق ويضع الشغيلة في صلب العملية الإنتاجية نجيبة قسومي

فاتح ماي ليس مجرد تاريخ عابر ضمن الأجندة النضالية، ولا هو طقس احتفالي يُستدعى له العمال كل سنة لتجديد الشعارات ذاتها، بل هو لحظة تاريخية كثيفة الدلالات، تختبر فيها المجتمعات صدق التزاماتها تجاه العمل وحقوق من يخلقون الثروة. إنه مرآة تعكس، دون رتوش، واقع علاقة الشغل: بين منطق يختزل العامل في رقم داخل معادلة الإنتاج، ومنطق آخر يضع الكرامة الإنسانية في صلب الفعل الاقتصادي. وبين هذين الأفقين، يتحدد المعنى الحقيقي للعدالة الاجتماعية، لا في النصوص المعلنة، بل في الممارسة اليومية داخل فضاءات العمل.

وبما أننا على مشارف فاتح ماي 2026، لا يمكن المرور إلى لحظة الاحتفاء دون التوقف عند التصدعات العميقة التي تعرفها علاقات الشغل ببلادنا، حيث يتقاطع الخطاب الرسمي حول احترام الحقوق والحريات مع واقع ميداني يطرح، بإلحاح، سؤال المصداقية والفعالية. فبعيداً عن الشعارات، تتكشف داخل عدد من الفضاءات الإنتاجية، وعلى رأسها المناطق الصناعية بطنجة، ممارسات تضع جوهر الحرية النقابية على المحك، وتعيد إلى الواجهة إشكالية قديمة متجددة: هل ما زال التنظيم النقابي حقاً محمياً، أم أصبح في بعض السياقات سبباً ضمنياً للعقاب؟

إن ما يتم تداوله داخل الأوساط العمالية والنقابية، وما تلتقطه الشكايات غير المعلنة في كثير من الأحيان، يشير إلى دينامية مقلقة داخل بعض الوحدات الصناعية، حيث يتزامن بروز المبادرات الرامية إلى تأسيس مكاتب نقابية مع اتخاذ إجراءات مهنية في حق عدد من الأجراء، تتراوح بين الطرد، وعدم تجديد العقود، والنقل إلى مناصب غير ملائمة، أو تفعيل مساطر تأديبية في ظروف يحيط بها الكثير من اللبس. ورغم أن هذه الإجراءات تُقدَّم في الغالب في إطار السلطة التدبيرية للمشغل، فإن تزامنها الزمني وسياقها الاجتماعي يطرحان أكثر من علامة استفهام حول خلفياتها الحقيقية.

لقد أصبحت بعض المناطق الصناعية، التي كان يُفترض أن تشكل فضاءً للتوازن بين متطلبات الإنتاج وضمان الكرامة المهنية، مسرحاً لتحولات دقيقة في تدبير الموارد البشرية، حيث يُلاحظ، في حالات متعددة، نوع من الحذر أو التوجس تجاه كل تعبير جماعي منظم للعمال. هذا التوجس قد لا يُعلن عنه صراحة، لكنه يترجم عملياً عبر تضييق غير مباشر على كل محاولة لبناء إطار نقابي داخل المقاولة، بما يجعل من الحق في التنظيم مسألة محفوفة بالمخاطر بالنسبة للأجراء.

ولا يتعلق الأمر، في كثير من الأحيان، بقرارات طرد معلنة على أساس الانتماء النقابي، بل بأساليب أكثر تعقيداً، يتم فيها تغليف القرار بأسباب مهنية أو تأديبية، في حين يبقى السياق العام هو العنصر الكاشف لدلالته الحقيقية. وهو ما يضع الأجراء أمام معادلة صعبة: حق يكفله القانون من جهة، وكلفة مهنية محتملة لممارسته من جهة أخرى. وفي هذا التداخل بين المشروع والضمني، يتحول الحق الدستوري إلى عبء إثبات، وتصبح الحماية القانونية رهينة بقدرة العامل على فك شيفرة نوايا القرار الإداري.
والحال أن الدستور المغربي، كما مدونة الشغل، يقران بشكل لا لبس فيه بحرية الانتماء النقابي ويمنعان كل أشكال التمييز المرتبط به، وهو ما يتعزز بالتزامات المغرب الدولية، خاصة في إطار اتفاقيات منظمة العمل الدولية. غير أن الإشكال الجوهري لا يكمن في غياب النص، بل في حدود فعاليته داخل فضاء اقتصادي تحكمه اعتبارات الربح والتنافسية، في ظل ضعف آليات المراقبة أو محدودية تدخلها في بعض الأحيان.

إن ما يقع – متى ثبت – لا يمكن اعتباره مجرد اختلالات عرضية، بل يعكس توتراً بنيوياً داخل علاقة الشغل، بين منطق يسعى إلى إقبار الفعل النقابي، ومنطق قانوني وحقوقي يعتبره شرطاً أساسياً للتوازن والاستقرار. فالمقاولة التي تُدار خارج منطق الحوار الاجتماعي، وتتعامل مع التنظيم النقابي كتهديد بدل اعتباره شريكاً، إنما تؤسس لهشاشة دائمة، مهما بلغت مؤشرات إنتاجها.

ومن ثَمّ، فإن تخليد عيد العمال فاتح ماي في هذا السياق لا يمكن أن يظل لحظة رمزية معزولة عن واقع العمال اليومي، بل ينبغي أن يتحول إلى مناسبة لطرح الأسئلة الحقيقية: حول حدود حماية الحرية النقابية، وحول دور أجهزة الدولة في ضمان احترامها، وحول مدى استعداد الفاعل الاقتصادي للانخراط في نموذج تنموي حقيقي يضع الإنسان في صلب العملية الإنتاجية، لا على هامشها.

إن الرهان اليوم لم يعد فقط في إقرار الحقوق، بل في ضمان ممارستها الفعلية دون خوف أو كلفة، لأن أي حديث عن كرامة العمل يظل فارغاً من مضمونه، ما لم يكن العامل قادراً على الدفاع عن مصالحه بشكل جماعي، في إطار يحميه القانون وتدعمه المؤسسات.

نجيبة قسومي محامية متمرنة بهيئة المحامين بطنجة باحثة في القانون الإجتماعي .