في سياق الندوة الدولية "تتبع الأموال: الاستجابة القانونية والمؤسساتية لمكافحة غسل الأموال في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا"، قدم محمد براو، الباحث والخبير الدولي في الحكامة مداخلة حول فعالية منظومة مكافحة غسل الأموال في المغرب. منطلقا من فرضية مركزية: استرجاع الأصول (الاسترداد والإرجاع) لم يعد مرحلة ختامية، بل المؤشر الأعلى لنضج المنظومة، حيث ينتقل التقييم من الامتثال الشكلي إلى الأثر الاقتصادي الملموس.
تأتي هذه المداخلة المتمحورة حول موضوع "استرجاع الأصول كمعيار لقياس فعالية منظومة مكافحة غسل الأموال-حالة المغرب"، في سياق ندوة دولية موسومة " تتبع الأموال: الاستجابة القانونية والمؤسساتية لمكافحة غسل الأموال في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا"، في لحظة مفصلية من تطور أنظمة مكافحة غسل الأموال، حيث لم يعد النقاش يتوقف عند حدود منطق الامتثال الشكلي أو تقييم جودة البنية القانونية والمؤسساتية، بل انتقل إلى مستوى أكثر عمقاً يتمثل في قياس الأثر الفعلي للمنظومة على المال العام والتنمية.
وفي هذا السياق، قراءتي تتقاطع فيها ثلاث مقاربات كبرى:
* مقاربة مجموعة العمل المالي الدولية FATF
* ومقاربة المجتمع المدني الإفريقي من خلال آلية الموقف الإفريقي المشترك لاسترجاع الأصول CAPAR (وقد كان لي شرف اعداد تقريرها التقييمي الأخير حول المغرب صدر بألمانيا سنة 2024)
* ونموذج التدبير بالنتائج RBM نموذج علمي وعملي عام يساعد في التحليل والتقييم.
وكما قد تلاحظون تلتقي هذه المقاربات الثلاث عند نقطة مركزية واحدة: الانتقال من قياس الوسائل والإجراءات إلى قياس النتائج والأثر.
وتنطلق هذه المداخلة من فرضية أساسية مفادها أن استرجاع الأصول (بمعناه الواسع الذي يشمل استردادها وإمكانية إرجاعها عند الاقتضاء) لم يعد مرحلة ختامية في مسار مكافحة غسل الأموال، بل أصبح المؤشر الأعلى لقياس نجاعة المنظومة ودرجة نضجها المؤسسي، بما يجعل من السؤال حول "كم استرجعنا من الأصول؟" سؤالاً مركزياً في تقييم الفعالية.
الفرضية والإطار النظري والمفاهيمي للمداخلة – انتقال في فلسفة مكافحة غسل الأموال
المداخلة تنطلق من فرضية مركزية ذات طابع تحولي، وهي أن أنظمة مكافحة غسل الأموال لم تعد تُفهم باعتبارها مجرد منظومات قانونية-إجرائية هدفها إثبات وجود التشريع وتفعيل أدوات الرقابة، بل أصبحت تُقاس اليوم بقدرتها على إنتاج أثر قابل للقياس في الواقع الاقتصادي والمالي للدولة.
هذا التحول يعكس انتقالاً من منطق "الامتثال" (Compliance) إلى منطق "الفعالية" (Effectiveness)، وهو نفس التحول الذي رسخته FATF عندما جعلت من "النتائج الفورية" معياراً للتقييم، إضافة إلى جودة النصوص القانونية وفعالية المؤسسات فقط.
لكن المداخلة لا تكتفي بهذا المستوى، بل تدفع النقاش خطوة أبعد عبر إدخال CAPAR، الذي يعيد تعريف الفعالية من زاوية إفريقية نقدية، تُركز على سؤال أكثر حدة: هل يتم فعلياً استرجاع الأصول المنهوبة وإعادتها إلى الدورة الاقتصادية؟
هنا يتحول معيار النجاح من "وجود النظام" و"هل يشتغل النظام" إلى "ماذا ينتج النظام".
وقفة بخصوص مفهوم الاسترجاع، بمعنى الاسترداد وإمكانية الإرجاع، فالاسترداد = مرحلة الحصول على الأصول.. الإرجاع = مرحلة تسليم الأصول. مثال بسيط: تم تهريب أموال إلى الخارج. الدولة نجحت في تتبعها واستعادتها → هذا استرداد. ثم أعادتها إلى خزينة الدولة الأصلية → هذا إرجاع
الخلاصة: كل إرجاع يسبقه استرداد، لكن ليس كل استرداد ينتهي بـ إرجاع.
مقاربة مجموعة العمل المالي FATF: من هندسة الامتثال إلى منطق النتائج
في هذا المنظور، ينظر للمجموعة ليست كمجرد جهاز تقني للتقييم، بل كتحول فلسفي في فهم السياسات العمومية لمكافحة الفساد المالي.
إن السلسلة المعتمدة في تشخيص وتقييم منظومة غسل الاموال (كشف، تتبع، تجميد، مصادرة، استرجاع) ليست مجرد مسار إجرائي، بل هي سلسلة منطقية تعكس فكرة أن القيمة الحقيقية للنظام لا تتحقق إلا عند نهايته.
غير أن الإضافة المهمة في التحليل هي الإشارة إلى أن FATF لا تكتفي بمخرجات وسيطة، بل تعتمد "11 نتيجة فورية"، وهو ما يعكس أن الشرعية الدولية في هذا المجال أصبحت مرتبطة ليس فقط بمحاربة الجريمة، بل بقدرة الدولة على تحويل تلك المحاربة إلى أثر مالي ملموس.
هذا التقديم يمهّد للانتقال نحو آلية الموقف الإفريقي المشترك CAPAR باعتبارها إطاراً أكثر صرامة.
مقاربة المجتمع المدني الإفريقي وإعادة تعريف معيار الفعالية
CAPAR لا تقدَّم كأداة تقييم تقنية، بل كتحول في فلسفة القياس نفسها. فهي تعيد ترتيب أولويات منظومة مكافحة غسل الأموال من جديد: بدلاً من أن يكون التركيز على:
* وجود قوانين
* أو عدد المؤسسات
* أو كثافة الإجراءات
ينتقل إلى سؤال واحد حاسم: ما هو حجم الأصول التي تم استرجاعها فعلياً؟
هذا التحول جوهري لأنه ينقل النقاش من مستوى "البنية" إلى مستوى "الأثر"، ومن الدولة كمنظومة امتثال إلى الدولة كفاعل اقتصادي قادر على إعادة تدوير الثروة غير المشروعة.
الأهم في هذا التحليل هو فكرة "فجوة ما بعد الإدانة"، وهي نقطة شديدة الأهمية لأنها تكشف أن نجاح القضاء في الإدانة لا يعني بالضرورة نجاح الدولة في الاسترداد.
بمعنى آخر: يمكن للدولة أن تكون "ناجحة قضائياً" لكنها "ضعيفة اقتصادياً" في استرجاع الأصول.
وهذا ما يجعل آلية CAPAR أداة نقدية بامتياز، لأنها تكشف ما لا يظهر في التقارير التقليدية.
الحالة المغربية – بين قوة البناء المؤسسي وضعف الأثر النهائي
في هذا المحور، يتم تحليل المغرب كحالة اختبار للنماذج الثلاثة FATF ، CAPAR، RBM .
المعطيات المقدمة تُظهر بوضوح أن المغرب حقق تقدماً كبيراً على مستوى:
* التشريع CDD، KYC، CEDD
* الرقابة المالية ANRF
* التتبع DOD
* التحسيس المالي PPE
كما أن المؤشرات الكمية (ارتفاع القضايا، الأحكام، التبليغات) تعكس انتقالاً من "منظومة محدودة الإنتاج" إلى "منظومة نشطة".
لكن التحليل لا يتوقف عند هذا النجاح الظاهري، بل يطرح سؤالاً نقدياً مركزياً: هل هذا النشاط الإجرائي ينتج استرجاعاً فعلياً للأصول؟
وهنا يظهر جوهر المقاربة: فالإشكال ليس في الإنتاج القضائي، بل في "ما بعد الإنتاج القضائي".
إطارالتدبير بالنتائج RBM نحو قراءة بنيوية تكشف الخلل في الحلقة الأخيرة من السلسلة
إدخال RBM هنا ليس مجرد إطار نظري، بل هو أداة تحليل تكشف أين يحدث الانقطاع داخل سلسلة النتائج. فالنموذج يوضح أن:
* المدخلات قوية (قوانين ومؤسسات)
* الأنشطة شغالة (تحقيق وتتبع)
* المخرجات مرتفعة (قضايا وأحكام)
* النتائج متوسطة (إدانة ومصادرة)
* لكن الأثر (Impact) ضعيف أو غير مكتمل
وهذا يعني أن المشكلة ليست في بداية النظام، ولا حتى في وسطه، بل في نهايته. أي أن الخلل يقع عند الانتقال من "المصادرة" إلى "الاسترجاع الفعلي".
فجوة الاسترجاع – نقطة الاختلال البنيوي
هذه النقطة هي قلب التحليل. الفجوة هنا ليست تقنية، بل هي فجوة بنيوية في هندسة السياسة العمومية.
تتمثل في:
* شفافية منقوصة في ضبط وتتبع الممتلكات
* عدم وجود استراتيجية موحدة لاسترجاع الأصول
* غياب التتبع ما بعد الإدانة
* تشتت المؤسسات بين القضاء والمالية والرقابة
* ضعف الشفافية في تدبير الأصول المصادرة
هذا يعني أن النظام ينجح في "إنتاج القرار القضائي"، لكنه يواجه صعوبة في "تحويل القرار إلى قيمة اقتصادية".
وبالتالي، تصبح النتيجة: منظومة قوية إلى حدود الإدانة، ضعيفة في الاسترداد والاسترجاع.
الاستجابة القانونية المؤسساتية المغربية: مشروع وكالة تدبير الأصول
في هذا السياق، يظهر مشروع وكالة إدارة الأصول كحل مؤسساتي لإعادة بناء الحلقة الأخيرة من سلسلة RBM.؛ أهمية هذه الوكالة ليست فقط إدارية، بل هي تحول في فلسفة الدولة تجاه المال المصادَر:
فبدل أن يبقى هذا المال موزعاً بين مؤسسات متعددة (قضاء، مالية، إدارة أملاك الدولة)، يتم تجميعه في مؤسسة واحدة مسؤولة عن: التتبع ؛ الحفظ ؛ التسيير ؛ التثمين ؛ إعادة الإدماج الاقتصادي.
وهذا التحول مهم لأنه يحول الأصول المصادرة من “ملف قضائي” إلى “أصل اقتصادي”. وبالتالي: تصبح الدولة ليست فقط جهة عقابية، بل جهة إنتاج للقيمة من الجريمة نفسها.
ختاما
ما تكشفه المساهمة في عمقها هو أن معركة مكافحة غسل الأموال لم تعد معركة قانون ومؤسسات فقط، على أهميتهما، بل أصبحت معركة هندسة أثر اقتصادي. فالدولة قد تنجح في بناء منظومة امتثال قانونية مؤسساتية قوية، بل وقد تحقق نتائج قضائية مرتفعة، لكنها قد تفشل في الحلقة الحاسمة: تحويل هذه النتائج إلى استرجاع فعلي للأصول وإعادة تدويرها في الاقتصاد الوطني.
ومن هنا تأتي أهمية وكالة إدارة الأصول باعتبارها إطاراً مؤسساتيا وحوكميا يسمح باقتحام مرحلة "ما بعد الامتثال"، من أجل إعادة ربط ما انقطع في نهاية السلسلة.
وبذلك يمكن القول إن الخلاصة العميقة لهذه المداخلة تتمثل في أن المغرب، وهو يواصل تعزيز منظومته في مكافحة غسل الأموال، يرسّخ اليوم انتقالاً نوعياً من منطق المواجهة الإجرائية إلى منطق الأثر والنتائج. وإذا كان مسار الإصلاح قد حقق تقدماً مهماً على مستوى الإطار القانوني والمؤسساتي، فإن الأفق المستقبلي يظل مفتوحاً أمام تعزيز هذا التقدم من خلال إحداث وكالة تدبير الأصول باعتبارها محطة مفصلية من شأنها أن تجعل من استرجاع الأصول وتثمينها وإعادة توظيفها في التنمية الوطنية معياراً مركزياً لقياس الفعالية. ومن هذا المنظور، يتجه النظام المغربي نحو مرحلة أكثر نضجاً، يكون فيها نجاح السياسات العمومية مرتبطاً ليس فقط بقدرتها على الملاحقة، بل أيضاً بقدرتها على تحويل نتائج العدالة إلى قيمة اقتصادية واجتماعية مضافة.





