تم يوم الخميس 16 أبريل 2026 بالدارالبيضاء ، خلال لقاء فكري نظم حول موضوع "مسجد الحسن الثاني بين السماء والماء"، تسليط الضوء على مراحل إنجاز هذا الصرح المعماري البارز، وما يحمله من دلالات هندسية وحضارية تعكس علاقة المدينة بالمحيط الأطلسي.
وخلال هذا اللقاء، الذي يندرج ضمن فعاليات الدورة الخامسة عشرة من "أيام التراث" المنظمة إلى غاية 19 أبريل الجاري، استعرض عبد الفتاح مجاهد، الوالي السابق والمدير الأسبق للوكالة الحضرية للدار البيضاء، مختلف مراحل إنجاز هذا الورش الضخم، باعتباره نموذجا فريدا للتفاعل بين المعمار الديني والتحولات الحضرية والبيئية والاقتصادية للعاصمة الاقتصادية .
كما أبرز المتدخل الدور المحوري الذي اضطلعت به الوكالة الحضرية للدار البيضاء في تأطير ومواكبة هذا المشروع، سواء على مستوى التخطيط الحضري أو التنسيق بين مختلف المتدخلين، بما ساهم في إنجاز معلمة معمارية استثنائية تجمع بين الدقة الهندسية والبعد الجمالي والرمزية الروحية.
وتوقف عند الخصوصيات المعمارية لهذا الصرح، الذي شيد على الواجهة البحرية للمدينة ، مبرزا ما يختزنه من تزاوج فريد بين تقنيات البناء الحديثة وفنون العمارة المغربية التقليدية، من زليج ونقش وخشب منحوت، فضلا عن اعتماده حلولا هندسية متقدمة مكنت من تثبيته على حافة المحيط في انسجام تام مع محيطه الطبيعي.
وأوضح أن إحداث مسجد الحسن الثاني شكل نقطة تحول مفصلية في إعادة هيكلة العاصمة الاقتصادية، حيث واكبت إنجازه مجموعة من الإجراءات، من بينها إعادة تنظيم أجهزة التعمير، وإرساء أسس التخطيط الحضري الحديث، إلى جانب إطلاق مشاريع مهيكلة همت الواجهة الساحلية للمدينة.
وعلى المستوى البيئي، أبرز مجاهد أن المشروع ساهم في تطهير مياه الساحل الأطلسي، وإضافة مساحات جديدة إلى الرصيد العقاري للمدينة، فضلا عن إحداث محطة لمعالجة المياه العادمة، وإنجاز كورنيش عصري يشكل متنفسا حضريا لسكان المدينة وزوارها.
وتابع أن هذا الصرح الكبير كان له أثر واضح على النسيج الحضري، حيث ساهم في تحسين جودة البنيات المعمارية المجاورة، وإعادة توظيف عدد من الفضاءات، إلى جانب تحفيز إنجاز مشاريع كبرى، من قبيل المراكز التجارية والفنادق، فضلا عن تطوير البنيات التحتية، بما في ذلك إنجاز أنفاق حضرية حديثة.
وفي الشق الاقتصادي، أشار إلى أن المشروع وفر آلاف مناصب الشغل خلال فترة بنائه، وأسهم في تنشيط قطاع البناء والصناعة التقليدية، فضلا عن تعزيز الجاذبية السياحية للمدينة، باعتباره قطبا سياحيا بارزا على الصعيدين الوطني والدولي، إلى جانب مساهمته في إحداث دينامية جديدة من خلال احتضانه لمؤسسات علمية وثقافية.
ولم يقتصر النقاش على الجانب التقني والتاريخي، بل انفتح أيضا على أبعاد ثقافية ورمزية، حيث شدد المشاركون على أن مسجد الحسن الثاني لا يمثل مجرد فضاء للعبادة، بل يشكل علامة حضارية بارزة تعكس هوية المدينة وتاريخها، وتكرس ارتباطها بالبحر كعنصر مؤسس في نشأتها وتطورها.
كما تم التأكيد على أهمية صون هذا التراث المعماري والمحافظة عليه، باعتباره جزءا من الذاكرة الجماعية، ودعامة أساسية لتعزيز الجاذبية الثقافية والسياحية للمدينة، فضلا عن دوره في نقل قيم الإبداع والتفوق الهندسي للأجيال الصاعدة.
ويندرج هذا اللقاء ضمن دينامية ثقافية متجددة تعرفها الدار البيضاء، من خلال "أيام التراث"، التي تسعى إلى إعادة قراءة الموروث العمراني والحضري للمدينة، وتقريب مكوناته من عموم المواطنين، عبر برمجة غنية تجمع بين البعد المعرفي والتفاعلي، وتكرس الوعي بأهمية الحفاظ على التراث.
ومنذ إطلاقها سنة 2009 من قبل جمعية "كازاميموار"، تعبئ هذه التظاهرة سنويا متطوعين وشركاء وفاعلين ثقافيين حول برنامج متنوع وغني .
وتندرج الدورة الخامسة عشرة، المنظمة تحت شعار "الدار البيضاء الأطلسية: حين يشكل المحيط ملامح المدينة"، ضمن دينامية جماعية، بتعاون مع مختلف الفاعلين في المشهد الثقافي والفني والجمعوي، الذين يساهمون في بلورة برنامج متنوع يستحضر التحولات الراهنة للمدينة.





