لطالما اعتبرت الولايات المتحدة الأمريكية حريةَ الملاحة في مضيق هرمز "خطًا أحمر" لا يمكن تجاوزه، لما للمضيق من أهمية استراتيجية، إذ يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية.
كيف سيكون وضع مضيق هرمز مستقبلًا؟
الإيرانيون أذكياء جدًا، ولهم باع شاسع في مدركات ومفاهيم علم التفاوض الدولي. ومن ينظر إلى سيناريوهات المفاوضات الحالية، يلاحظ أنها تتجه في مجملها إلى سؤال واحد: كيف سيكون وضع مضيق هرمز مستقبلًا؟ لذلك، في هذه المفاوضات والحالة الاستثنائية ما بعد توقف الحرب، أعطت إيران قيمةً أكبر لممر هرمز على باقي الملفات المطروحة أمام الولايات المتحدة الأمريكية، وتدفع بعبارة التفاوض تحت غطاء: هل يبقى ممر مضيق هرمز كما كان عليه بدون رسوم أم يتم فرض رسوم لعبور السفن عبر الممر؟ في هذه الحالة الأخيرة، تكون إيران قد طرحت على الطاولة ملفًا لم يكن أصلًا في الحسبان، ولم يتم طرحه من قبل على طاولة المفاوضات في السنوات الماضية عندما كان برنامج إيران النووي على ساحة التفاوض الأمريكي-الأوروبي.
وهنا يظهر كيف تدير إيران المفاوضات: من الملف النووي إلى ملف آخر وهو: كيف يمكنكم عبور مضيق هرمز؟ وإذا رجعنا إلى مبدأ مفهوم التفاوض، نجد أن إيران خلقت مسارًا آخر للتفاوض من أجل تحقيق أهداف كبرى كانت تريد أن تصل إليها في الماضي، ويمكن أن يكون معبر هرمز هو الملف الجديد الذي ستمر عليه تلك الملفات الشائكة، ومنها برنامجها النووي ونفوذها الجيوسياسي في المنطقة.
بعد فشل المفاوضات: هل يتحول الحصار إلى واقع؟
بعد انتهاء جولة المفاوضات الأخيرة بين واشنطن وطهران، التي احتضنتها العاصمة الباكستانية إسلام آباد دون التوصل إلى أي اتفاق، بدأت مؤشرات تتحدث عن توجه أمريكي نحو سيناريوهات بديلة، أبرزها فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية.وهنا يُطرح السؤال الجوهري: هل يمكن للحصار أن يحقق ما عجزت عن تحقيقه الحرب والعقوبات؟
وللإجابة على السؤال المطروح، لا بد من العودة إلى الوقائع السابقة. فإيران تخضع أصلًا لحصار اقتصادي خانق وعقوبات أمريكية وأوروبية مشددة منذ سنوات، خاصة على قطاع الطاقة (2018). وقد شملت هذه العقوبات حظر تصدير النفط، وفصل البنوك الإيرانية عن نظام SWIFT، وتجميد أرصدة بمليارات الدولارات.
ورغم قسوة هذه الإجراءات، إلا أنها لم تدفع طهران إلى تقديم تنازلات جوهرية في ملفاتها النووية والصاروخية أو في دعم حلفائها الإقليميين. بل على العكس، رفعت إيران نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 60% وطورت قدراتها العسكرية.
وهنا نتجه في هذه المرحلة الحالية من المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران إلى الانتقال من "الحصار الاقتصادي" إلى "الحصار البحري العسكري"، ويعني منع السفن بالقوة من دخول الموانئ الإيرانية أو الخروج منها. وهذا الإجراء يُعد قانونيًا بمثابة عمل حربي. إذًا، ما الذي سيضيفه حصار الموانئ الإيرانية؟
على المستوى الاقتصادي: سيخنق الاقتصاد الإيراني أكثر ويخفض صادراتها النفطية إلى ما يقارب الصفر، مما يفاقم الأزمات الداخلية الايرانية.
على المستوى السياسي: من المستبعد أن يؤدي إلى سقوط النظام أو تغيير سلوكه. تجارب كوبا وكوريا الشمالية تثبت أن الأنظمة قادرة على التكيف مع الحصار لعقود.
على المستوى الاستراتيجي: سيمنح إيران المبرر لتنفيذ تهديدها التاريخي: "إذا لم نصدر نفطنا، فلن يصدر أحد". والرد المتوقع هو إغلاق مضيق هرمز أمام الجميع، وحتى مضيق باب المندب من طرف الحوثيين.
في الختام، الحصار البحري (الموانئ الإيرانية) قد يكون أقل كلفة بشرية على واشنطن من الحرب الشاملة، لكنه يدفع إيران مباشرة إلى ضرب "الخط الأحمر" الأمريكي المتمثل في إغلاق مضيق هرمز. وبذلك تكون الولايات المتحدة قد تسببت بنفسها في تهديد الممر الملاحي الذي تعهدت بحمايته.
من هذا المنطلق، يبقى الحصار البحري على موانئ إيران سلاحًا ذا حدين: فهو يخنق الخصم لكنه يهدد المصالح الأمريكية والعالمية في الوقت نفسه، وقد تكون نتائجه أقرب إلى الحرب منها إلى الحل. إضافة إلى ذلك، ستكون دول الخليج المتضرر الأكبر من هذا الواقع، أما الأسواق العالمية فستشهد ارتفاعًا صاروخيًا في سعر البترول، وهذا ما سيدخل بعض الدول، وخاصة النامية والفقيرة، في ركود اقتصادي سيؤثر على سياساتها الاقتصادية والاجتماعية.
د. احمد بابا اهل عبيد الله
باحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية
رئيس مركز الساحل للبحث العلمي والتنمية المستدامة





