يشكل الاستثمار، في بنيته القانونية والمؤسساتية، أحد المحددات الجوهرية لفعالية السياسات العمومية وقدرتها على تحقيق التحول الاقتصادي، حيث إن الدولة الحديثة لم تعد تكتفي بوضع قواعد عامة لتنظيم المبادرة الخاصة، وإنما تتجه نحو بناء منظومات معيارية دقيقة تؤطر توجيه الاستثمار وفق أولويات استراتيجية محددة… ومن المؤكد أن صدور القانون الإطار رقم 03.22 بمثابة ميثاق الاستثمار الجديد يندرج ضمن هذا التحول، إذ يؤسس لمرحلة جديدة قوامها الانتقال من منطق التحفيز العام إلى منطق الاستهداف القطاعي والترابي، بما ينسجم مع متطلبات السيادة الاقتصادية.
وفي هذا السياق، يبرز التحول التشريعي الذي عرفه المغرب من خلال الانتقال من القانون الإطار رقم 18.95 إلى القانون الإطار رقم 03.22، باعتباره انتقالاً من نموذج قانوني تقليدي إلى نموذج معياري مهيكل، حيث إن الميثاق السابق، رغم ما أتاحه من ضمانات للاستثمار، ظل محدود الأثر على مستوى إعادة توجيه البنية الاقتصادية… وبالتالي، فإن المشرع، من خلال النص الجديد، سعى إلى إرساء هندسة قانونية قادرة على إحداث أثر مباشر في توزيع الاستثمارات، وتعزيز حضور القطاع الخاص في الدورة الاقتصادية.
ومن ثم، فإن الهدف المركزي الذي حدده الميثاق، والمتمثل في رفع حصة الاستثمار الخاص إلى ثلثي الاستثمار الإجمالي في أفق سنة 2035، يعكس توجهاً استراتيجياً نحو إعادة التوازن بين الفاعل العمومي والفاعل الخاص، حيث إن الدولة لم تعد تسعى إلى القيام بدور المستثمر المباشر بقدر ما تعمل على الاضطلاع بوظيفة المنظم والمحفز… وهو ما يستدعي، بالضرورة، توفير بيئة قانونية مستقرة، وآليات تحفيزية واضحة، ومساطر إدارية مبسطة.
وعلاوة على ذلك، فقد تم تأطير هذا التوجه من خلال إحداث أنظمة دعم متعددة، في مقدمتها نظام الدعم الخاص بالمشاريع ذات الطابع الاستراتيجي، الذي يشكل أحد أهم الابتكارات التي جاء بها الميثاق… حيث إن هذا النظام يقوم على فكرة توجيه الامتيازات العمومية نحو المشاريع ذات الأثر الهيكلي، بدل توزيعها بشكل أفقي، الأمر الذي يعزز النجاعة الاقتصادية ويحد من تشتت الموارد.
أما على مستوى النظام القانوني للمشاريع ذات الطابع الاستراتيجي، فقد اعتمد المشرع مقاربة مزدوجة تجمع بين المعيار الكمي والمعيار النوعي، حيث اشترط بلوغ عتبة مالية محددة في ملياري درهم، إلى جانب ضرورة تحقيق أثر استراتيجي يرتبط بالأمن المائي أو الطاقي أو الغذائي أو الصحي، أو بإحداث فرص الشغل، أو بنقل التكنولوجيا… وهو ما يكرس، من الناحية القانونية، ربط الامتياز بالنتيجة، وربط الدعم العمومي بتحقيق قيمة مضافة واضحة.
كما أن اعتماد آلية الاتفاقيات الاستثمارية كإطار تعاقدي بين الدولة والمستثمر يعكس توجهاً نحو تقوية الطابع الإلزامي للالتزامات المتبادلة، حيث إن هذه الاتفاقيات لا تقتصر على تحديد الامتيازات، وإنما تشمل أيضاً التزامات دقيقة تتعلق بحجم الاستثمار، وعدد مناصب الشغل، وآجال الإنجاز… وبالتالي، فإن العلاقة بين الدولة والمستثمر لم تعد علاقة تحفيزية أحادية، وإنما أصبحت علاقة تعاقدية قابلة للتتبع والتقييم.
وفي ما يتعلق بالحكامة المؤسساتية، فقد اعتمد المشرع بنية تنظيمية متعددة المستويات، تتوزع بين اللجنة الوطنية للاستثمارات، واللجان التقنية المختصة، مع إسناد مهام الكتابة الدائمة إلى الوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات… حيث إن هذه الهندسة تهدف إلى ضمان مركزية القرار الاستثماري، مع توفير دعم تقني متخصص لكل مشروع على حدة.
غير أن هذا التنظيم، رغم وجاهته من حيث التصور، يطرح إشكالات عملية تتعلق بتعدد المتدخلين وتداخل الاختصاصات، حيث إن تعدد اللجان قد يؤدي إلى بطء في مسار اتخاذ القرار، خاصة في ظل اختلاف وتيرة انعقادها… ومن ثم، فإن فعالية هذه المنظومة تبقى رهينة بمدى تحقيق التنسيق المؤسساتي، وتبسيط المساطر، وتقليص آجال البت في الملفات الاستثمارية.
ومن جهة أخرى، فإن تحليل المعطيات الإحصائية المتعلقة بالفترة الممتدة بين 2023 و2024 يكشف عن دينامية واضحة في تفعيل الميثاق، حيث تمت المصادقة على عشرين مشروعاً استراتيجياً موزعة على عدة قطاعات، مع تركيز ملحوظ على قطاع العربات الكهربائية والطاقات المتجددة… وهو ما يعكس توجهاً نحو إدماج الاقتصاد الوطني في سلاسل القيمة العالمية، خاصة في الصناعات المستقبلية ذات البعد التكنولوجي.
كما أن إدراج قطاع الماء ضمن المشاريع الاستراتيجية، خاصة من خلال مشاريع تحلية مياه البحر، يعكس وعياً متزايداً بضرورة معالجة إشكالية الإجهاد المائي عبر آليات استثمارية مهيكلة… الأمر الذي يؤكد أن مفهوم الاستثمار الاستراتيجي لم يعد مقتصراً على البعد الاقتصادي، وإنما يشمل أيضاً الأبعاد البيئية والاجتماعية.
وفي الإطار المالي، يبرز صندوق محمد السادس للاستثمار كأداة مركزية لتعبئة الموارد المالية اللازمة لهذه المشاريع، حيث إن تصميمه القانوني يسمح بإشراك القطاع الخاص في تمويل المشاريع الكبرى، مع الحفاظ على دور الدولة كمساهم مرجعي… كما أن اعتماد مقاربة الصناديق القطاعية يعزز توجيه التمويل نحو مجالات محددة ذات أولوية.
إضافة إلى ذلك، فإن إسناد تدبير هذه الصناديق إلى شركات متخصصة يطرح مسألة الحكامة المالية، حيث إن ضمان الشفافية وتفادي تضارب المصالح يقتضي إرساء آليات رقابة فعالة، قادرة على تتبع أداء هذه الكيانات، وضمان انسجام تدخلاتها مع الأهداف الاستراتيجية للدولة… وبالتالي، فإن البعد المالي للاستثمار الاستراتيجي يظل مرتبطاً بمدى نجاعة الإطار الرقابي والمؤسساتي.
وفي سياق متصل، يفرض الميثاق التزامات صريحة على المستثمرين تتعلق باحترام مبادئ المسؤولية المجتمعية للمقاولة، حيث إن إدماج البعد البيئي والاجتماعي في المشاريع الاستثمارية أصبح شرطاً أساسياً للاستفادة من الدعم العمومي… وهو ما يعكس انسجام المنظومة الوطنية مع الالتزامات الدولية المرتبطة بالتنمية المستدامة، خاصة في أفق سنة 2030.
كما أن هذا التوجه يكرس انتقالاً من منطق الاستثمار القائم على الربحية الاقتصادية فقط إلى منطق الاستثمار المسؤول، الذي يوازن بين تحقيق العائد المالي والحفاظ على الموارد الطبيعية وضمان العدالة الاجتماعية… الأمر الذي يعزز استدامة المشاريع، ويحد من آثارها السلبية المحتملة على البيئة والمجتمع.
ومن زاوية أخرى، فإن تحقيق الأهداف المسطرة في ميثاق الاستثمار يظل رهيناً بمدى قدرة الدولة على معالجة الإكراهات المرتبطة بضعف النسيج المقاولاتي، حيث إن جزءاً مهماً من القطاع الخاص لا يزال في حاجة إلى مواكبة تقنية ومالية، تمكنه من الانخراط في مشاريع ذات حجم كبير وتعقيد تقني مرتفع… وبالتالي، فإن بناء قطاع خاص قوي يشكل شرطاً أساسياً لإنجاح هذا الورش.
كما أن تبسيط الإطار القانوني والتنظيمي يظل من بين التحديات المطروحة، حيث إن تعدد النصوص التطبيقية قد يحد من وضوح الرؤية لدى المستثمرين، ويؤثر على جاذبية مناخ الأعمال… وهو ما يستدعي العمل على تجميع المقتضيات القانونية في إطار منسجم، يضمن سهولة الولوج إلى المعلومة القانونية، ويعزز الأمن القانوني.
وفي هذا الإطار، يبرز دور الحكامة كعنصر حاسم في تحويل النصوص القانونية إلى نتائج ملموسة، حيث إن جودة التنسيق بين المؤسسات، وفعالية مساطر اتخاذ القرار، وشفافية تدبير الموارد، تشكل محددات أساسية لنجاح سياسة الاستثمار الاستراتيجي… ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي لا يقتصر على سن القوانين، وإنما يمتد إلى ضمان حسن تطبيقها، وتتبع تنفيذها، وتقييم أثرها بشكل دوري.





