تعتبر مجموعة "المعرض" بناء سرديا متماسكا ينهض على استعارة مركزية كثيفة: الحياة بوصفها معرضًا مفتوحًا تُعرض فيه الذوات، والذكريات، والهشاشات، وحتى الفواجع في أكثر أشكالها عراءً. منذ الإهداء، الذي يستدعي الأب، المعلم، والقارئ، ينفتح النص على وعي مبكر بأن الوجود تجربة مُشاهدة وتأمل، وكأن الكاتبة فاطمة الأبياري تضعنا منذ البداية داخل فضاء بصري - وجداني حيث كل شيء قابل لأن يُرى، ويُعاد تأويله.
ما يمنح هذا العمل القصصي خصوصيته هو أنه يكتب الطفولة كأفق إدراكي أول، كجرح تأسيسي يتشكّل فيه الوعي بالعالم. فالطفولة هنا بنية تحتية للمعنى، تظل تعمل في خلفية كل تجربة لاحقة. لذلك تتخذ القصص عناوين مثل "حلم طفولي"، "الفاجعة"، "حلم قاتل"، وكأن الحلم نفسه، الذي يفترض أن يكون ملاذًا، يتحول إلى منطقة توتر، حيث يتداخل الخيال بالألم، والبراءة بالصدمة.
العالم في "المعرض" يُرى عبر طبقات من التأويل، كما لو أن الكاتبة تدعونا إلى تعلم النظر من جديد. ليس صدفة أن يتكرر حضور "العين" و"اللوحة" و"اللون"، لأن الكتابة هنا تنتمي إلى ما يمكن تسميته بجمالية الرؤية القلقة، رؤية لا تثق بما يظهر، وتبحث دائمًا عمّا يتوارى خلف السطح.
لكن الأهم من ذلك أن المجموعة القصصية "المعرض" -الصادرة حديثا عن منشورات النورس التي يديرها الكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس- لا يكتفي بعرض الحياة، بل يفضحها. فالمعرض، في بعده العميق، فضاء للانكشاف القاسي. تُقدَّم فيه الشخصيات ككيانات ناقصة، كأجساد هشّة، كأصوات متقطعة، كظلال تبحث عن معنى. هناك حضور كثيف للفقد، للعزلة، للانكسار، وكأن النص يكتب الإنسان من موقع هشاشته.
أسلوبيًا، تشتغل الكاتبة فاطمة الأبياري على لغة مكثفة، أقرب إلى الشعر منها إلى السرد التقليدي. الجمل قصيرة أحيانًا، مشحونة بإيقاع داخلي، تحمل أكثر مما تقول، وتترك فراغات دلالية تُشرك القارئ في إنتاج المعنى. هذا الاقتصاد اللغوي يكشف عن وعي عميق بأن الكتابة الحقيقية تلمّح، وتترك أثرًا يتردد في ذهن القارئ بعد انتهاء النص.
كما أن البنية العامة للمجموعة توحي بحركة دائرية: من الطفولة إلى الفاجعة، من الحلم إلى الانكسار، من اللون إلى العتمة، وكأننا أمام رحلة داخل معرض لا نخرج منه، بل ننتقل بين قاعاته، حيث كل قصة تشكّل لوحة، وكل لوحة تكشف جانبًا من مأساة الوجود الإنساني. وهنا تتجلى قوة العنوان: "المعرض" كاستعارة للوعي نفسه، لذلك فإن القارئ لا يزور هذا المعرض، بل يُدخَل إليه.
في العمق، يطرح النص سؤالًا فلسفيًا دقيقًا: هل نحن من ننظر إلى العالم، أم أن العالم هو الذي يعرضنا أمام أنفسنا؟
تتحول الكتابة إلى فعل مقاومة ضد العمى، وضد التواطؤ مع السطح. إنها دعوة إلى النظر ببطء، إلى الإصغاء لما لا يُقال، وإلى الاعتراف بأن ما نخشاه في العالم هو وضوحه حين يُرى حقًا.
إن "المعرض" عمل يكتب الحياة من تلك المنطقة التي يتقاطع فيها الجمال مع الألم، والطفولة مع الفاجعة، والرؤية مع العجز عن الفهم. وهو، في ذلك، لا يمنح القارئ أجوبة، بل يضعه داخل تجربة تأملية مفتوحة، حيث كل قراءة هي إعادة ترتيب للوحات، وإعادة اكتشاف للذات داخل هذا المعرض اللامتناهي.


