samedi 28 mars 2026
94b236ee-55fe-48e2-a6da-927a71b2e866.jpg
كتاب الرأي

عبد الواحد غياث: المرجعية الدستورية لإنهاء عصر الأحزاب.. من التمثيل إلى المشاركة المباشرة

عبد الواحد غياث: المرجعية الدستورية لإنهاء عصر الأحزاب.. من التمثيل إلى المشاركة المباشرة عبد الواحد غياث

الجزء الأول: المرجعية الدستورية... والإجابة على الانتقادات
قد يُقال: إن ما تدعون إليه من تجاوز للأحزاب هو حلم نظري لا أرضية له في الواقع المؤسسي المغربي. وهذا الاعتراض، مع احترامنا له، ينم عن قراءة غير مكتملة للدستور المغربي لسنة 2011. 
فالحق أن هذا الدستور لم يُكتب ليكون وثيقة تأبين للديمقراطية التمثيلية، بل ليؤسس لانتقال نوعي نحو الديمقراطية التشاركية. وهنا يجب التوضيح: إن الدستور لا يدعو صراحة لإلغاء الأحزاب ككيانات، ولكنه "لم يحصر" ممارسة السيادة في هذه الأحزاب وحدها، بدليل تنصيصه الصريح على آليات الديمقراطية التشاركية وحقوق المستقلين. إنه، بجرأة نادرة في السياق العربي، يفتح الباب أمام تجاوز الأحزاب من داخله، لا من خارجه.
انظر إلى الفصل الأول منه: "الديمقراطية المواطنة والتشاركية". ليست الديمقراطية التمثيلية فقط. بل "المواطنة" و"التشاركية". 
هذا يعني أن المواطن، في الدستور المغربي، ليس مجرد ناخب يعطي صوته كل خمس سنوات ثم ينام. إنه شريك. والمشاركة، بحسب الدستور، يمكن أن تكون مباشرة. وهذا هو المفتاح.
ثم الفصل الثاني: "تظل السيادة للأمة تمارسها مباشرة عن طريق الاستفتاء، وبصفة غير مباشرة بواسطة ممثليها". 
لاحظ الترتيب: المباشرة قبل غير المباشرة. الاستفتاء قبل التمثيل. أي أن الأصل في الديمقراطية، بحسب الدستور المغربي، هو أن يقرر المواطن بنفسه. أما التمثيل فهو وسيلة استثنائية، وليست غاية في ذاتها.
وهنا يتبدى عمق الفكرة: إذا كان الدستور نفسه يضع المباشرة قبل التمثيل، فلماذا تمسكنا بالتمثيل كأصل؟ ولماذا جعلنا الأحزاب، وهي مجرد أداة من أدوات التمثيل، فوق الدستور نفسه؟
يُقال أيضاً: إن القرعة التي نادينا بها، والتي أشاد بها أرسطو، لا وجود لها في نظامنا الدستوري. وهذا غير صحيح. فالقرعة موجودة في المغرب اليوم، في المحاكم الجنائية. هيئة المحلفين تُختار بالقرعة. وإذا كانت القرعة صالحة للحكم على الناس في دمائهم وأعراضهم، فلماذا لا تكون صالحة للحكم على قوانينهم؟ المنطق هنا معكوس: الأهم يُترك للصدفة، والأقل أهمية يُترك للأحزاب؟
بل أكثر من ذلك: الدستور المغربي، في فصله الثاني عشر، يشجع على "تكريس مبادئ الديمقراطية التشاركية" عبر "آليات التشاور". هذه الآليات يمكن أن تكون مجالس مواطنين بالقرعة، يمكن أن تكون منصات رقمية، يمكن أن تكون استشارات مباشرة. القانون لم يغلق الباب، بل تركه مفتوحاً. ما ينقصنا هو الإرادة، لا النص.
وأما الاعتراض الأكثر خطورة: أن تحرير المؤسسات من الاحتكار الحزبي سيؤدي إلى فراغ سياسي أو إلى هيمنة غير منتخبة. وهنا نرد بالروح الديمقراطية للدستور نفسه. إننا لا ندعو لإلغاء قسري يفتح الباب للشمولية، بل ندعو إلى تفعيل البدائل اللّاحزبية التي أقرها المشرع الدستوري. فالدستور المغربي أنشأ مؤسسات ضابطة قوية: القضاء المستقل، والمجلس الأعلى للحسابات... هذه المؤسسات، مع مجالس المواطنين المستقلة، هي الضمانة الحقيقية، لا الأحزاب التي أصبحت في كثير من الأحيان جزءاً من المشكلة. 
ثم إن الدستور يعترف بـ"النواب غير المنتسبين". انظر إلى الفصل الثامن والستين: "يتكون مجلس النواب من أعضاء يتم انتخابهم بالاقتراع العام المباشر لمدة خمس سنوات، وينتخب بالاقتراع العام غير المباشر أعضاء مجلس المستشارين". لم يقل "عن طريق الأحزاب". قال "بالاقتراع". وهذا يعني أن الدستور يترك الباب مفتوحاً أمام مستقلين، بل يقر بوجودهم. والسؤال: لماذا لا نوسع هذه الفئة؟ لماذا لا نجعل الانتخاب فردياً بدل اللوائح؟ لماذا لا نحرر النائب من الانضباط الحزبي الذي يحوله إلى مجرد عداد أصوات؟
وإذا كان البعض يخشى من أن تجاوز الأحزاب سيضعف التمثيل الجغرافي أو الطائفي، فنقول: الدستور المغربي نفسه أقر الجهوية المتقدمة. وهي إطار مثالي لتجربة أشكال جديدة من التمثيل على المستوى المحلي، قبل التعميم. جرب القرعة في مجلس جهة، جرب الاستفتاءات المحلية، جرب الأغلبية الظرفية القائمة على المشاريع. فإن نجحت، فالتعميم. وإن فشلت، فالضرر محدود.
إن ما ندعو إليه ليس ثورة على الدستور، بل ولاءً حقيقياً له. ليس خروجاً على المؤسسات، بل عودة إلى روحها. لأن الدستور المغربي، في عمقه، لا يعترف بحق أي حزب في احتكار الأمة. إنه دستور المواطنة، لا دستور الأحزاب. دستور المشاركة، لا دستور التوكيل. دستور الوعي، لا دستور الاصطفاف.
لذا، عندما نتحدث عن إلغاء الأحزاب أو تجاوزها، لا نفعل ذلك من فراغ فلسفي. بل من نص دستوري حي، ينتظر من يجرؤ على تفعيله. القوانين التنظيمية التي توقفت عند حدها، والثقافة السياسية التي لا تزال أسيرة الانضباط المركزي، والخوف من المجهول الذي يشل الإرادة — هذه هي العوائق الحقيقية. أما الدستور، فهو معنا.
وإذا أصر البعض على اعتراضه، فليقل لنا: أي فصل في الدستور المغربي يمنع أن يكون المواطن شريكاً في القرار؟ وأي فصل يمنع أن يُختار المجلس بالقرعة؟ وأي فصل يلزم النائب بأن يكون تابعاً لا مستقلاً؟
الصمت هو الجواب. لأن الدستور لا يمنع شيئاً مما ندعو إليه. بل على العكس، إنه يشجعه.


الجزء الثاني: المعضلة الدستورية... لماذا لم تُحل بعد؟
قد يتساءل القارئ بعد كل ما سبق: إذا كان الدستور المغربي يحمل هذه الإمكانيات الهائلة، فلماذا إذن تظل الأحزاب السياسية عائقاً لا تُجْدَى منه؟ ولماذا لم تُحل المعضلة بعد؟
هذا السؤال هو جوهر المعضلة. والحقيقة أن الإجابة لا تكمن في الدستور نفسه، بل في الفجوة بين النص والممارسة. إن الدستور المغربي لسنة 2011، في فصوله السامية، رسم خارطة طريق للإصلاح، لكن القوانين التنظيمية والثقافة السياسية والهيمنة الحزبية حالت دون تنزيله. وإليك الدليل:
ينص الفصل السابع من دستور 2011 على أن الأحزاب السياسية "تساهم في تنظيم وتأطير المواطنات والمواطنين، وتكوينهم السياسي، وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية، وفي تدبير الشأن العام، وتساهم في التعبير عن إرادة الناخبين، والمشاركة في ممارسة السلطة، على أساس التعددية والتناوب، بالوسائل الديمقراطية، وفي نطاق المؤسسات الدستورية".
هذا النص، لو طُبِّق بحذافيره، لكان كافياً لتأصيل دور إيجابي للأحزاب. لكن الواقع يُظهر العكس تماماً. فبدلاً من أن تكون الأحزاب إطاراً للتأطير والتكوين، تحولت إلى آلات لتصريف النفوذ وتوريث المقاعد.
والأدهى من ذلك: أن الدستور نفسه، في فصله الثاني، يقر بأن السيادة للأمة تمارسها "مباشرة عن طريق الاستفتاء، وبصفة غير مباشرة بواسطة ممثليها". والمباشرة هنا تأتي قبل غير المباشرة. لكن الممارسة السياسية قلبت المعادلة: جعلت التمثيل هو الأصل، والمشاركة المباشرة استثناءً نادراً.
لننظر إلى واقع البرلمان المغربي اليوم. ظاهرة "العائلات البرلمانية" لم تعد استثناءً، بل أصبحت قاعدة. في انتخابات 2021، برزت ظاهرة لافتة تمثلت في حضور أفراد من نفس العائلة داخل قبة البرلمان، حيث اجتمع الآباء والأبناء وأحياناً الزوجات في التمثيلية البرلمانية، مما أثار نقاشاً واسعاً حول طبيعة التمثيل السياسي وحدود تكافؤ الفرص.
هذه الظاهرة، كما يصفها أستاذ القانون الدستوري الحبيب استاتي زين الدين، "تشكل معضلة علمية" في أدبيات علم السياسة، وتثير تساؤلات حول "تأثيرها في جودة الديمقراطية". 
لكن الأخطر، كما يشير المحلل السياسي عبد الرحيم العلام، هو أن بعض البرلمانيين "يتنازلون عن مقاعدهم وهم على قيد الحياة لأبنائهم، مستفيدين من الفراغ القانوني أو من اجتهادات غير دقيقة للمحكمة الدستورية".
هذا هو الانعكاس الحقيقي لأزمة الأحزاب: حين تصبح المقاعد البرلمانية "ميراثاً" ينتقل بين أفراد العائلة الواحدة، وحين تصبح اللوائح الجهوية أداة لتمرير التوريث بدلاً من أن تكون أداة لتمثيل المواطنين.
دستور 2011 أنتج 17 قانوناً تنظيمياً كان من المفترض أن تُنقل المؤسسات من النصوص إلى الواقع. لكن بعض هذه القوانين، ولا سيما تلك المتعلقة بالأحزاب والبرلمان والديمقراطية التشاركية، لا تزال تعاني من عراقيل في التنزيل. 
القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية، رغم أنه نص على الشفافية والتناوب الداخلي، إلا أنه ترك ثغرات واسعة استفادت منها القيادات التقليدية في توريث المقاعد. فلم يُلزم الحزب بانتخاب قياداته بشكل ديمقراطي حقيقي، وترك باب "المجلس الوطني" مفتوحاً على مصراعيه لتمرير أي قرار. 
أما القانون التنظيمي لمجلس النواب، فقد أقر بوجود "النواب غير المنتسبين"، لكنه لم يمنحهم أدوات حقيقية للعمل البرلماني المستقل. بل ظل منطق "الفرق النيابية" يهيمن، مع ما يعنيه ذلك من انضباط حزبي صارم.
ينص الفصل الأول من الدستور على أن نظام الحكم في المغرب يقوم على "الديمقراطية المواطنة والتشاركية". هذا يعني أن المواطن ليس مجرد ناخب، بل شريك. لكن الممارسة السياسية جعلت من "التشاركية" مجرد شعار في الخطابات الرسمية، دون تفعيل حقيقي. 
آليات التشارك المنصوص عليها في الفصلين 12 و13 (العرائض، التشاور، المقترحات) لم تُفعّل بشكل يحدث فرقاً. 
-العرائض التي تصل إلى البرلمان تبقى حبيسة الأدراج. 
-الاستشارات المحلية، حيثما وجدت، تبقى صورية لا تلزم السلطة التنفيذية. 
هنا تكمن المعضلة الحقيقية: دستور طموح ينتظر من يفعله، وأحزاب عاجزة عن القيام بذلك لأنها جزء من المشكلة، ومجتمع مدني لا يملك الأدوات الكافية للضغط.


الحقيقة التي لا مفر منها: الأزمة ليست في الدستور. 
دستور 2011 هو واحد من أكثر الدساتير العربية تقدماً في مجال الديمقراطية التشاركية والحقوق والحريات.
المشكلة في الإرادة السياسية. 
فالقوانين التنظيمية التي توقف تنزيلها هي من مسؤولية الحكومة والبرلمان. وهذه المؤسسات يهيمن عليها نفس الأحزاب التي أصبحت عائقاً. أي أننا أمام دائرة مفرغة: الأحزاب هي التي تتحكم في آليات التغيير، وهي نفسها التي ترفض تغيير نفسها. وهنا يبرز السؤال الأصعب: كيف يمكن تجاوز الأحزاب باستخدام أدوات دستورية تتحكم فيها الأحزاب نفسها؟
نعم، هناك مخرج. لكنه ليس سهلاً. إنه يتطلب جرأة دستورية: تفعيل الفصل الثاني المتعلق بالاستفتاء. الاستفتاء هو السلاح الدستوري الأقوى لتجاوز الأحزاب. إذا كان الدستور يسمح للمواطنين بأن يقرروا مباشرة في القضايا الكبرى، فلماذا لا نستخدمه؟ كما يتطلب تفعيل الديمقراطية التشاركية حقيقة، لا شعاراً. 
العرائض التي تصل إلى البرلمان يجب أن تكون ملزمة للنقاش. 
التشاور مع المجتمع المدني يجب أن يكون إلزامياً قبل إصدار القوانين. ويتطلب أيضاً فتح المجال للمستقلين. الدستور يعترف بهم. 
لماذا لا نوسع تمثيلهم؟ 
لماذا لا نعتمد نظام الدوائر الفردية بدل اللوائح الحزبية؟ 
لماذا لا نحرر النائب من الانضباط الحزبي الذي يحوله إلى مجرد عداد أصوات؟ 
كما يتطلب اللجوء إلى القرعة في المؤسسات الاستشارية. الدستور لا يمنعها. المحاكم الجنائية تستخدمها. فلماذا لا نستخدمها في المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي؟ لماذا لا نستخدمها في المجالس الجهوية؟
إن المعضلة الحقيقية ليست في الدستور. دستور 2011 يحمل في طياته مفاتيح الخروج من أزمة الأحزاب. 
المعضلة في أن من يملكون مفاتيح التنزيل هم أنفسهم من يستفيدون من تعطيله. ولكن التاريخ يعلمنا أن الإرادة الشعبية، حين تبلغ ذروتها، قادرة على اختراق أي جدار. الفصل الثاني الذي يقر بالاستفتاء المباشر، والفصل الأول الذي يؤسس للديمقراطية التشاركية، والفصلان 12 و13 اللذان يمنحان المواطن أدوات المشاركة — كلها نصوص حية تنتظر من يحركها.
المغرب اليوم أمام لحظة فارقة: إما أن نستمر في لعبة الانضباط الحزبي والتوريث والمقاعد المغلقة، وإما أن نجرؤ على استعمال ما في أيدينا. الدستور موجود. الآليات متاحة. المواطنون ينتظرون. ما ينقصنا هو قرار: 
هل نريد فعلاً دولة الوعي التي نادينا بها؟ أم نكتفي بخطب الافتتاح والوعود الانتخابية؟
خاتمة استراتيجية: نحو "ديمقراطية السيادة" وتحرير الإرادة الوطنية
إننا اليوم أمام لحظة الحقيقة؛ فالدستور المغربي لعام 2011 لم يكن مجرد استجابة لحظية لموجة احتجاجية، بل كان "عقداً اجتماعياً" جديداً يمنح الأمة مفاتيح استعادة سيادتها. ومع ذلك، فإن بقاء هذه المفاتيح في يد "بيروقراطية حزبية" تعيد إنتاج نفسها عبر التوريث والعائلات البرلمانية، هو تعطيل صريح لروح النص وسلبٌ لإرادة المواطن.
إن المخرج من هذه الدائرة المفرغة لا يتطلب ثورة على المؤسسات، بل "ثورة بالمنظومة ومن داخلها". إنها دعوة لتفعيل "المخارج الدستورية المعطلة" عبر ثلاث ركائز أساسية:


* استعادة "أولوية المباشرة": بإخراج الاستفتاء (الفصل الثاني) من دائرة "الاستثناء" إلى دائرة "الممارسة المنتظمة" في القضايا المجتمعية الكبرى، لكسر احتكار الوساطة الحزبية.
* دسترة "اللاحزبية" كحق سياسي: عبر مراجعة القوانين التنظيمية (خاصة 29.11 و04.11) لتمكين "النواب غير المنتسبين" والمستقلين من آليات عمل وتنافس متكافئة، وتحويل الانتخاب من "صراع لوائح حزبية" إلى "اختيار كفاءات فردية" مسؤولة مباشرة أمام ناخبيها.
* مأسسة "ذكاء القرعة": البدء بتجريب "مجالس المواطنين" المختارة بالقرعة في الهيئات الاستشارية والجهوية المتقدمة، لتحويل الديمقراطية التشاركية من شعار بروتوكولي إلى "مختبر للقرار" يضم الحرفي، والأستاذ، والمثقف، بعيداً عن كواليس التزكيات الحزبية.
إن "دولة الوعي" التي نؤسس لها في هذه المقالات ليست مجرد هيكل تنظيمي، بل هي ثقافة سياسية تؤمن بأن "المواطن هو الأصل، والحزب هو الفرع". وإذا كان الفرع قد حجب نور الأصل، فإنه آن الأوان لتقليم مخالب الاحتكار السياسي ليتنفس جسد الأمة من جديد.
إن المعركة القادمة ليست معركة نصوص، بل هي معركة "إرادة التنزيل". فالدستور، في صمته المهيب، لا يمنع التغيير؛ بل هو ينتظر جيلًا من "المواطنين الشركاء" يجرؤون على استنطاق فصوله، وتحويل "الديمقراطية المواطنة" من نص في الجريدة الرسمية إلى واقع يمشي بين الناس.

 

عبد الواحد غياث، باحث في العلوم السياسية