samedi 28 mars 2026
94b236ee-55fe-48e2-a6da-927a71b2e866.jpg
كتاب الرأي

محمد السلامي: منطق الطرد كعنوان لأزمة أعمق داخل الحزب

محمد السلامي: منطق الطرد كعنوان لأزمة أعمق داخل الحزب محمد السلامي

إن التلويح بطرد منسق تيار “اليسار الجديد المتجدد” لا يمكن قراءته كحادث عرضي أو إجراء تنظيمي عادي، بل هو مؤشر دالّ على طبيعة الأزمة التي يعيشها الحزب في هذه المرحلة. فهذه الخطوة تأتي في سياق عام يتسم بتزايد التوتر الداخلي، وتراجع القدرة على تدبير الاختلاف، وتنامي منطق الإقصاء بدل الحوار.
في الواقع، ليست هذه المرة الأولى التي يُلوّح فيها بسلاح الطرد أو يُفعّل. فقد شهد الحزب في مراحل سابقة لجوءاً إلى إجراءات مشابهة، شملت تجميد عضويات، أو إقصاء مناضلين، بل وحتى تفكيك فروع بكاملها. وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول تحوّل هذه الآليات من أدوات تنظيمية استثنائية إلى وسائل شبه اعتيادية لتدبير الخلافات الداخلية.
الأكثر إثارة للقلق هو ما يُتداول حول وجود ازدواجية في المعايير داخل الحزب. ففي الوقت الذي يتم فيه التشدد مع الأصوات المعارضة أو المبادرات الفكرية المستقلة، يُلاحظ تساهل أو صمت تجاه قضايا وُصفت بالخطيرة، من قبيل اختلالات مالية أو ممارسات غير شفافة. وإذا صحّ هذا التقدير، فإنه يضرب في العمق مبدأ المساواة بين المناضلين، ويقوّض الثقة في المؤسسات الداخلية.
ومنذ المؤتمر الأخير، يبدو أن القيادة الحالية لم تنجح في بلورة حصيلة نضالية قوية أو إحداث دينامية سياسية ملموسة. بل على العكس، يلاحظ عدد من المتابعين أن الجهد الأكبر وُجّه نحو ضبط التوازنات الداخلية، ومواجهة الأصوات الناقدة، بدل الانخراط في قضايا المجتمع وبناء حضور سياسي مؤثر. وهنا يكمن أحد أبرز مظاهر الأزمة: انشغال التنظيم بذاته على حساب دوره في المجتمع.
كما أن ما حدث مع عدد من الفروع، خاصة فيجهة  أوروبا وجهة سوس يعكس هذا المنحى. فبدل دعم هذه الفروع باعتبارها امتداداً طبيعياً للحزب في الخارج، تم التعامل معها – وفق هذا الطرح – بمنطق التضييق والتهميش، مما أدى إلى إضعافها أو تفككها. وهو ما يشكل خسارة تنظيمية وسياسية، بالنظر إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه الجاليات في دعم القضايا الوطنية وتعزيز الحضور الدولي.
في هذا السياق، يطرح منطق الطرد إشكالاً أكبر يتجاوز الشخص المعني. فإذا كان الأمر يتعلق بتطبيق القانون التنظيمي، فإن السؤال المطروح هو: هل سيتم تطبيقه بشكل شامل وعادل؟ لأن المعطيات تشير إلى أن حوالي 40 رفيقاً ورفيقة، من بينهم أعضاء في المجلس الوطني، يتبنون نفس الأرضية، إضافة إلى عدد مهم من المناضلين في مختلف الفروع. فهل يمكن عملياً وسياسياً طرد هذا العدد الكبير دون الدخول في أزمة تنظيمية عميقة؟
إن تعميم منطق العقوبات في مثل هذه الحالة قد يؤدي إلى نتائج عكسية تماماً. فبدل إعادة الانضباط، قد يسرّع من وتيرة الانقسام، ويعمّق فقدان الثقة، ويدفع نحو مزيد من التشرذم. فالتاريخ الحزبي، في المغرب وخارجه، يُظهر أن اللجوء المفرط إلى الإقصاء غالباً ما يكون بداية لتفكك التنظيمات، لا لتقويتها.
ثم إن الأحزاب اليسارية، بحكم مرجعيتها، مطالبة أكثر من غيرها بتجسيد قيم الديمقراطية الداخلية، واحترام التعددية الفكرية، واحتضان النقاش النقدي. فالاختلاف داخل اليسار ليس خللاً، بل هو عنصر حيوي لتطوره. أما تحويله إلى مبرر للعقاب، فيعني عملياً إفراغ العمل السياسي من مضمونه الفكري.
من جهة أخرى، يطرح تيار “اليسار الجديد المتجدد” نفسه كمحاولة لإعادة فتح النقاش حول قضايا جوهرية: تجديد الفكر اليساري، مراجعة الأدوات التنظيمية، والانفتاح على الديناميات المجتمعية. وقد يختلف البعض مع أطروحاته أو أسلوبه، لكن التعامل معه ينبغي أن يكون سياسياً وفكرياً، لا تنظيمياً زجرياً.
في النهاية، يبدو أن الحزب يقف اليوم أمام لحظة مفصلية. فإما أن يختار طريق الانفتاح، عبر إطلاق نقاش داخلي حقيقي، يتيح لكل التيارات التعبير والمساهمة في إعادة البناء، وإما أن يستمر في منطق الضبط والإقصاء، بما يحمله ذلك من مخاطر على وحدته ومستقبله.

 

 الأستاذ محمد السلامي من هولندا، عضو المجلس الوطني الاشتراكي، وعضو التنسيقية الوطنية لتيار اليسار الجديد المتجدد