vendredi 27 mars 2026
94b236ee-55fe-48e2-a6da-927a71b2e866.jpg
فن وثقافة

المسرح في الصويرة.. رحلة فنية من التأسيس الوطني إلى التجريب والإبداع

المسرح في الصويرة.. رحلة فنية من التأسيس الوطني إلى التجريب والإبداع تأسست جمعية الجزيرة على يد مجموعة من الشباب المتعطش للإبداع

تتألق الصويرة كمدينة مبدعة، اختارت الثقافة سبيلا لتنمية الإنسان والمكان، فصنفتها اليونسكو ضمن المدن المبدعة، وحولت الفنون والتراث إلى عناصر حياة يومية، لتصبح منصة يلتقي فيها الإبداع بالهوية.

 الموسيقى، الفنون التشكيلية، الفلكلور، الصناعة التقليدية، فنون تشكل جميعها نبض المدينة، بينما المسرح يبرز كفضاء حي يعكس هموم المجتمع وطموحات الشباب، ويسرد قصة المدينة الفنية منذ بدايات القرن العشرين.

وبناء على بحث جامعي أنجزه الأستاذ يوسف بوسان، أحد المثقفين البارزين بمدينة الصويرة، فإن مراحل ظهور المسرح في الصويرة، يمكن تقسيمها إلى مرحلتين اثنتين: مرحلة التأسيس الوطني، التي رسخت الهوية الثقافية ووعيا وطنيا، ومرحلة التجريب والإبداع، التي أضفت للممارسة المسرحية بعدا فنيا عصريا وثراء إبداعيا، وأتاحت المجال لتجارب جديدة تجمع بين التراث والحداثة.

مرحلة الحماية: التأسيس الوطني

خلال فترة الحماية الفرنسية، ارتقى المسرح إلى مرتبة أداة مقاومة ثقافية. العروض التي قدمت في تلك الفترة كانت متجذرة في التاريخ العربي والإسلامي، مستحضرة شخصيات وطنية لتأكيد الهوية الثقافية وحث الجماهير على الوعي الوطني.

برز الفنان الراحل العربي صابر كأحد أعمدة هذه المرحلة، قاد فرقة الرجاء المسرحية، وأسهم في بناء قاعدة جماهيرية واعية. قدمت الفرقة عروضا مثل الفدائي الصغير، صوت الضمير، عمر بن الخطاب، سيدي محمد بن عبد الله، حاتم الطائي، الكوخ، ظهور الإسلام، جميعها من تأليفه وإخراجه، تعكس اهتمامه بالتراث وبالأبعاد الوطنية للمسرح.

المسرح في هذه المرحلة كان أكثر من مجرد عرض، فقد شكل مساحة تواصل بين الفنان والجمهور، أداة تعليمية ونقلية للقيم الوطنية، وساحة لإشراك الأطفال والشباب في حوار ثقافي حي، يعزز الفخر بالهوية المغربية.

مرحلة ما بعد الاستقلال: الممارسة والتجديد

مع استقلال المغرب سنة 1956، دخل المسرح مرحلة جديدة من الممارسة والتنظيم. الشباب الطموح أصبح قوة دافعة، وساهم في تطوير العمل المسرحي على مستوى الإبداع، الإدارة، والتجربة الجماعية. حصلت جمعية الرجاء المسرحية على صيغتها القانونية، مما منحها إطارا أكثر صلابة لممارسة النشاط الثقافي والمسرحي.

في محطة بارزة، تشرف رئيس الجمعية، العربي صابر، بالمثول بين يدي المغفور له الملك محمد الخامس، الذي أشاد بالدور الوطني الذي اضطلعت به الجمعية. 

واستمرت الجمعية في عطائها حتى حدود سنة 1968، قبل أن تدخل فترة تأمل وتقييم، استجابة للتحولات الاجتماعية والتغير في العقليات، لتفتح الطريق أمام مرحلة التجريب والإبداع القادمة.

تأسيس جمعيات جديدة ونمو الحركة المسرحية

سنة 1972، تأسست جمعية الجزيرة على يد مجموعة من الشباب المتعطش للإبداع، بينهم العربي صابر، أحمد الهدري، والحسين ميلودي، إلى جانب أسماء أخرى أسهمت في إحياء النشاط المسرحي.

شهدت سنة 1980 تنظيم الملتقى الأول لمسرح الهواة تحت شعار "المسرح ثقافة شعبية"، وكان بمثابة نقطة انطلاق لمهرجانات المسرح على الصعيد الوطني. 

بعد ذلك، تأسست سنة 1982 جمعية الأسوار للثقافة والفن، لتدعم الحركة المسرحية بعد خمود نشاط جمعية الجزيرة، فيما ظهرت جمعيات أخرى تفاوتت بين الصمود والانحسار، مؤكدين أن المسرح تجربة مجتمعية تحتاج إلى صبر وجهد مستمر.

المسرح اليوم: واقع حي وتطلعات مستقبلية

اليوم، يظل المسرح في الصويرة مساحة حية تجمع بين الحنين للماضي والتطلعات المستقبلية. 

المسرح لا يقتصر على العروض على الخشبة، وإنما أصبح تجربة متكاملة تشمل الجمهور والفنان على حد سواء، حيث يتحول المشهد المسرحي إلى مرآة للمجتمع، يعكس قضاياه، همومه، وأحلامه.

 الأجيال الجديدة من المسرحيين تركز على تقديم عروض مبتكرة، تجمع بين النص المكتوب والعروض الحية، بين الأداء التقليدي والتجارب المعاصرة، ما يضفي للمسرح طابعا عصريا ومتعدد الأبعاد.

رغم حيوية الحركة المسرحية، تواجه الفرق تحديات كبيرة، كنقص الموارد المالية والبنية التحتية، ما يجعل استدامة بعض المشاريع صعبة. مع ذلك، فإن العزيمة والإصرار على إبقاء المسرح حيا، تجعل الفنانين والمبدعين يبتكرون حلولا بديلة، ويستثمرون كل ما هو متاح لتقديم عروض مؤثرة وذات جودة.

الشباب يشكلون القوة الدافعة للحركة المسرحية

 في الصويرة اليوم، طاقات جديدة تتدرب على تقنيات المسرح الحديث، تشارك في ورشات تكوينية، وتستفيد من الخبرات المحلية والدولية، ما يجعل المسرح منصة لتطوير مهاراتهم الإبداعية، التواصلية، والتنظيمية. هذه الطاقات تجعل المسرح ليس مجرد فنون تمثيلية، وإنما مساحة تعليمية وتربوية، وساحة لتعزيز الثقة بالنفس والعمل الجماعي.

إضافة إلى ذلك، يحاول المسرح في الصويرة اليوم دمج نفسه مع السياحة الثقافية، هذه الاستراتيجية تمنح المسرح فرصة لتقديم الفن للجميع، وتساهم في تعريف الزائر بتاريخ الصويرة الفني، وارتباطها بالهوية الوطنية والإبداع المحلي.

الابتكار جزء لا يتجزأ من المشهد المسرحي الحالي. 

الفرق المحلية تحرص على تقديم عروض تمزج بين التراث الشعبي واللغة المعاصرة، بين الموسيقى الحية، الحركة الجسدية، والإضاءة الحديثة، ما يجعل كل عرض تجربة متكاملة تتجاوز مجرد الترفيه إلى المشاركة في حوار ثقافي أوسع.

 المسرح أيضا أصبح منبرا للتجارب الاجتماعية، إذ تتناول النصوص الجديدة قضايا البيئة، المجتمع، الشباب، والتحديات المعاصرة، ما يجعل الجمهور يشارك في التفكير والنقاش حول قضايا حياتية ملحة.

ورغم كل هذه الجهود، يظل المسرح بحاجة إلى دعم مؤسساتي مستمر، وشراكات محلية ودولية لتعزيز الاستدامة، وتطوير البنية التحتية، وتوسيع قاعدة الممارسين والجمهور. مع ذلك، يبقى المسرح أكثر من مجرد مكان لعرض الفنون، إنه قلب نابض للمدينة، نافذة على تاريخها وهويتها، ومساحة للإبداع والتعبير، حيث يلتقي الماضي بالحاضر، وتتشابك القيم التقليدية مع الرؤية الحديثة للفنون.

المسرح في الصويرة اليوم يروي قصة المدينة ويعكس طموحاتها، يجمع بين الأصالة والابتكار، ويظل جسرا بين الأجيال، بين الفنان والمشاهد، بين الثقافة المحلية والانفتاح على العالم، ليبقى شاهدا حيا على قدرة الإنسان على التعبير والإبداع مهما كانت الظروف والتحديات.