vendredi 27 mars 2026
94b236ee-55fe-48e2-a6da-927a71b2e866.jpg
كتاب الرأي

عبد الإلاه القصير: تحولات المعرفة في عصر الخوارزميات.. من المنهاج التجريبي إلى الإدراك التوافقي

عبد الإلاه القصير: تحولات المعرفة في عصر الخوارزميات.. من المنهاج التجريبي إلى الإدراك التوافقي عبد الإلاه القصير

شكّل المنهج التجريبي عبر تاريخ العلوم الإطار الصارم الذي تُبنى داخله الحقيقة العلمية، حيث لا تقبل المعلومات إلا إذا خضع للملاحظة، والتجربة، البرهان. وقد تعزز هذا المسار بما يمكن تسميته بـ“الحذر الإبستمولوجي”، وهو وعي نقدي يفرض مسافة بين الذات العارفة وموضوع المعرفة، ويجعل من الشك المنهجي شرطاً للوصول إلى اليقين. هذا التصور، الذي نجد جذوره في تنبيه فلسفي قديم كما عبّر عنه أرسطو، مفاده أن ليس كل ما يُقال يُعد صادقاً، ولا كل ما يبدو مقنعاً يكون مطابقاً للواقع. فالكلام قد يمتلك قوة الإقناع دون أن يمتلك قوة البرهان، وقد ينتشر دون أن يكون حقيقة رغم ان الحقيقة لا تُعطى جاهزة، بل تبنى و تُنتج عبر مسار طويل من التمحيص والاختبار.

الا أن التحولات الرقمية، وصعود ما يصطلح عليه  بالذكاء الاصطناعي والاعتماد عليه كوسيط معرفي مركزي، بدأ يعيد تشكيل هذا الأفق. فبدل أن تمر المعرفة عبر مسارات التحقق الصارمة، أصبحت تُقدَّم في صيغ جاهزة، مُحكمة لغوياً، وسهلة الاستهلاك لتوفرها وسهولة الحصول عليها.

 في اطار هذا الواقع الجديد لتشكل المعرفة بدانا نعيش مرحلة الانتقال التدريجي من “الحذر الإبستمولوجي” إلى ما يمكن تسميته بـ“الكسل الإبستمولوجي”، حيث يميل الفرد إلى قبول المعلومة كما تُعرض عليه، دون مساءلة مصادرها أو اختبار بنيتها وتشكلها. بحيث انه في هذا السياق، لم يعد التحدي مقتصرا على إنتاج المعرفة، بل أصبح متعلقاً بكيفية إدراكها وتداولها داخل المجتمع. مما أدى الى بروز نمط جديد من الادراك  يمكن وصفه بـ“الإدراك التوافقي”، حيث تتشكل القناعات لا انطلاقاً من مطابقتها للواقع، بل من درجة انتشارها وتكرارها داخل الفضاء الرقمي. وهنا تتقاطع هذه الظاهرة مع إشكالات نظرية المعرفة، خاصة في ما يتعلق بالتمييز بين الحقيقة كمعطى موضوعي، والاعتقاد كمنتج اجتماعي. فالمعرفة التي كانت تُبنى عبر التراكم والاختبار، أصبحت تُستهلك عبر الخوارزميات، التي تعيد ترتيبها وفق منطق الاحتمال والملاءمة، لا وفق معايير الصدق والبرهان التجريبي. ومع تزايد الاعتماد على هذه الوسائط، يتعزز ما يشبه “اليقين الجمعي السريع”، وهو يقين لا يستند إلى دليل، بل إلى قوة العرض وقوة الانتشاروالاستهلاك.

الا انه تجدر الإشارة ان هذا التحول لا يعني اختفاء المنهاج التجريبي، بل تراجع مركزيته في الوعي العام لصالح أنماط إدراكية أكثر سرعة وأقل نقداً. من هنا، يمكن القول إننا لا نعيش قطيعة مع النموذج التجريبي بقدر ما نعيش توتراً بين نموذجين: نموذج يقوم على الحذر والبرهنة، وآخر يتجه نحو السرعة والتوافق. وهذا التوتر هو الذي يفسر انتقالنا من الحذر الإبستمولوجي إلى الكسل الإبستمولوجي، ومن الحقيقة المُختبرة إلى القناعة المُتداولة.

و يبقى التحدي الحقيقي يكمن في الحفاظ على المعايير العلمية والنقدية للمعرفة، بحيث تظل الحقيقة خاضعة للتحقق والدليل، وليس مجرد نتيجة للانتشار أو قوة الإقناع. وبين هذين النموذجين، يتحدد مستقبل الحقيقة في عصر الخوارزميات، وتظل مهمة الإنسان الحفاظ على دوره كـ“المخترع والسيد على كل شيء”.

في المحصلة،يمككننا القول ان الخطر لا يكمن في الذكاء الاصطناعي ذاته، بل في نمط العلاقة التي نبنيها معه. اذ المطلوب ان نعمل على أن نظل أوفياء لروح المنهاج التجريبي، بما يفرضه من نقد وتحقق، عوض الانزلاق الى إدراك توافقي يجعل من “ما يُقال” بديلاً عن “ما يُثبت”. وبين هذين الأفقين، يتحدد مستقبل الحقيقة في العصر الرقمي.