ماذا تُسمَّى مؤسسة تعرف الخطأ وتراه، ثم تغضّ الطرف عنه؟ وماذا تُسمَّى دولة تملك القانون ولا تجرؤ على تطبيقه؟ في الفرنسية ثمة كلمة واحدة تختصر هذا كله: le laxisme — التراخي. ليس الجهل، ولا العجز، بل الاختيار الضمني لأن لا تختار. وهذا التراخي، حين يصبح ثقافة مؤسساتية، لا يُضعف الدولة فحسب — بل يأكلها من الداخل.
هذا التراخي لا يعرف حدوداً ولا قارة — تجده في ضواحي أوروبا كما تجده في ملاعب الكان.
لم يعد ما نراه في الضواحي الأوروبية مجرد انفلات عابر، بل علامة يومية على تآكل هيبة الدولة. لكن الأمانة الفكرية تفرض أن نذهب أعمق من سؤال: لماذا تتراخى الدولة؟ إلى سؤال أصعب: لماذا يصعب عليها ألا تتراخى؟
الجواب في مكان واحد: حين يتشبع الوعي الجمعي بثقافة التفاوض مع القانون، تجد المؤسسة نفسها وحيدة أمام كتلة ضاغطة لا حدود لمطالبها. ومواجهة كهذه تستنزف المؤسسة قبل أن تُضعفها.
لسنا هنا بصدد الدفاع عن مؤسسات مترددة، بل تشخيص معادلة مختلّة: جمهور يرى في الاحتجاج على القانون حقاً طبيعياً، ومؤسسة لا تملك منظومة تحميها حين تتخذ القرار الصعب. كل طرف يُغذّي ضعف الآخر، وفي الفراغ بينهما تنمو الفوضى.
وهنا يلتقي المشهد الأوروبي بما جرى في الكان، لا من حيث الجغرافيا ولا الثقافة، بل في شيء أعمق: سلطة فقدت الثقة بحقها في أن تكون سلطة. دولة تتردد في فرض قانونها خشية ردود الفعل، ومؤسسة رياضية تتراجع تحت ضغط الجماهير. الخلل واحد: مؤسسة بلا سند ثقافي، في مواجهة جمهور يعتبر الضغط بديلاً عن القانون.
داخل الملعب، بدا الحكم وكأنه يخشى صافرته أكثر مما يخشى ضياع المباراة. الحسم غاب، والقرارات الصارمة اختفت، وكأن البطولة تُدار بمنطق “دع الأمور تمرّ”. وبعد المباراة، لم تُظهر الكاف قدرة على التصرف السريع أو الواضح، فترك الملف يتخبط. لكن السؤال الأعمق ليس لماذا تأخرت، بل: في أي بيئة كانت تعمل؟ بيئة يُعدّ فيها الاعتراض حقاً طبيعياً، والامتثال هزيمة.
غير أن ثمة ما هو أعمق من بيئة الجماهير. فالاتحاد الأفريقي لكرة القدم لم يصل إلى هذا الوهن فجأة، بل ورث إرثاً ثقيلاً من الفساد والابتزاز، نخر مؤسساته منذ عهد عيسى حياتو وما تلاه. وحين يكون الفساد مؤسساتياً — أي حين يسكن رأس الهرم لا قاعدته — فالتراخي لم يعد مجرد ضعف، بل يتحول إلى نظام مُدار يخدم أصحابه. المؤسسة لا تتراخى لأنها تخشى الجمهور فحسب، بل أحياناً لأن الفوضى تناسبها. وهنا يصبح السؤال أحدّ وأمرّ: كيف تطالب الجماهير باحترام القانون، وهي ترى من يُفترض أن يُجسّده يبيعه؟
في المقابل، اختار المغرب منطقاً آخر: ملف قانوني محكم، مساطر واضحة، وثقة في المؤسسات بدل الضجيج. وبعد أكثر من شهرين، انتصر القانون، لا بالشارع ولا بالصوت العالي، بل بالحجة والإجراء السليم. وما كشفه هذا الانتصار أهم من نتيجته: حين يؤمن المجتمع بأن القانون إلزام لا خيار، تستطيع المؤسسة الصمود حتى تحت الضغط.
غير أن ما تلا القرار كشف أن الأزمة أعمق مما بدا. فالمشهد لم يعد مجرد رد فعل جماهيري، بل تحوّل مشاغبون مدانون بحكم القانون إلى “أبطال”، ورفض جمهور كامل الإدانة، ثم جاء الرفض نفسه من حكومة واتحاد كروي. هنا لم نعد أمام شغب جماهيري، بل أمام دولة وشعب في خصومة مع القانون.
وبدل أن توقف المؤسسات هذا الانحدار، جاء قرار سحب الكأس ليؤكد أن المشكل ليس في مباراة، بل في ثقافة كاملة لم تتربَّ على احترام القانون. ثقافة ترى في الضغط بديلاً عن المساطر، وفي الصراخ بديلاً عن الحجة، وفي الشارع بديلاً عن الدولة.
ولعل أبلغ تجليات هذا الانحدار ما جاء بعد سحب الكأس من السنغال. فبدل أن تستوعب الدولة السنغالية الدرس وتُهدّئ الاحتقان، انصاعت للضغط الجماهيري وذهبت إلى محكمة التحكيم الرياضية “تاس”، متوهّمةً أن الطعن القانوني سيُعيد ما أخذه القانون. وبصرف النظر عن النتيجة التي لم تصدر بعد، فإن اللجوء إلى التاس في حد ذاته يكشف معادلة مقلوبة: دولة لم تتحرك دفاعاً عن مبدأ، بل استجابةً لانفعال. مؤسسة لا تقود جمهورها نحو القانون، بل تُسحب خلفه نحو المواجهة. وهذا وحده كافٍ لفضح هشاشة الموقف، قبل أن تنطق أي محكمة بأي حكم.
والأدهى أن هذا المسار لم يكشف فقط تراخي دولة أمام جمهورها، بل كشف ما هو أخطر: أن ما بدا ردّ فعل جماهيرياً عفوياً لم يكن كذلك تماماً. فخلف الضجيج، كانت الجزائر تدير المشهد بأدواتها المعهودة: كتائب سيبرانية منظمة تضخّ الاتهامات وتُصنع الروايات، وجيش إلكتروني عرمرم يُغرق الفضاء الرقمي بحملات منسّقة ضد المغرب وتنظيمه للكان، وصحفيون يُقدّمون أنفسهم مستقلين فيما مراسلاتهم مفبركة ومُوجَّهة، هدفها الوحيد تشويه صورة المغرب وزرع الشك في قدرته على احتضان كأس العالم 2030. وانضاف إلى هذه المنظومة جزء كبير من الجمهور المصري، الذي وجد في الحادثة فرصة لتصفية حسابات لا علاقة لها بكرة القدم، فأذكى النار بدل أن يُخمدها.
لم يكن الأمر، إذن، مجرد شغب في ملعب. كان عملية ممنهجة، زعيمتها الجزائر، غايتها ضرب المغرب في أكثر ما يثير حسد خصومه: مشروعيته الدولية وملف تنظيمه لأكبر حدث رياضي في العالم. كان الرهان أن تُصوَّر الفوضى دليلاً على عجز المغرب، وأن تُستثمر في مساعٍ لسحب ملف التنظيم أو التشكيك فيه أمام الفيفا والرأي العام الدولي. لكن المخطط ارتدّ على أصحابه: الكاميرات أثبتت من أشعل الفتيل، والقانون أثبت من يستحق العقاب، والعالم رأى من يبني ومن يُخرّب.
هذا هو جوهر التراخي المؤسساتي في أخطر صوره: حين لا تكتفي المؤسسة بالتراخي عن تطبيق القانون، بل تتحول إلى أداة في يد من يريد إفساد القانون أصلاً. وحين تخشى المؤسسة تطبيق القانون، فهي تمنح جمهورها الدرس الأخطر: اكسر القاعدة… سنكسرها معك.
وهكذا يتحول خرق القانون من انحراف فردي إلى سلوك جماعي، ومن شغب إلى هوية، ومن أزمة رياضية إلى أزمة تربوية وحضارية. فالمشكل الثقافي والتربوي حقيقي، لكنه لا ينمو في فراغ — ينمو في ظل نموذج فاسد يراه الناس فوقهم يومياً، فيستنتجون أن القانون ليس مبدأً بل أداة في يد من يملك السلطة. وينمو أيضاً حين تُسقى جذوره بماء المؤامرة الإقليمية، ويُعطى الجمهور عدواً وهمياً بدل أن يُواجه مسؤوليته الحقيقية.
الحقيقة القاسية أن الإصلاح المؤسسي وحده لا يكفي. يمكنك تحسين القوانين وتطوير الهياكل وتغيير الوجوه، لكنك لن تبني مؤسسة صامدة في مجتمع لا يرى القانون واجباً بل عبئاً، ولا يرى المساءلة قيمة بل عقوبة. الإصلاح الحقيقي يبدأ من الوعي: من المدرسة، من الخطاب العام، من الطريقة التي يتحدث بها المجتمع عن السلطة والقانون. لكنه يبدأ أيضاً من الأعلى: من مؤسسات تستحق الثقة قبل أن تطالب بالطاعة. ومن دول تُدرك أن زعزعة الاستقرار الإقليمي ليست سياسة خارجية، بل انتحار بطيء.
الكان لم يكشف أزمة رياضية فقط، بل أزمة علاقة مزدوجة ومركّبة: بين الجماهير والقانون من جهة، وبين المؤسسات والأمانة من جهة أخرى، وبين دول الجوار والمصلحة المشتركة من جهة ثالثة. وما دامت هذه العلاقات مختلّة في أطرافها جميعاً، ستظل المؤسسة في مواجهة غير متكافئة: تحكم بالقانون، والجمهور يرد بالشارع، والخصم يرد
بالكتائب الإلكترونية.
ويبقى السؤال الحقيقي مثلّثاً هذه المرة:
متى تقرر المؤسسات أن تكون أهلاً للقانون قبل أن تحتج به؟
ومتى يقرر المجتمع أن يكون ظهيراً له لا خصماً؟
ومتى تقرر الدول أن البناء أشرف من التخريب، وأن العظمة لا تُقاس بقدرة المرء على إسقاط جاره، بل بقدرته على أن يرتفع معه؟

