jeudi 7 mai 2026
منبر أنفاس

حمزة الوكيلي: ​دراما رمضان.. حين تصبح أخبار الحروب أهون من مشاهدة القنوات المغربية

حمزة الوكيلي: ​دراما رمضان.. حين تصبح أخبار الحروب أهون من مشاهدة القنوات المغربية حمزة الوكيلي

​لطالما كان شهر رمضان في الوجدان المغربي فرصة لترسيخ القيم، وتقوية الروابط الأسرية، وتزكية النفس، وهي ذات الأهداف التي تفني الأسر والجمعيات التربوية أعمارها في غرسها في نفوس الناشئة. لكن المتأمل في "الوليمة" التلفزية التي تقدمها قنواتنا الوطنية خلال هذا الشهر الكريم، يجد نفسه أمام مفارقة صادمة؛ ففي الوقت الذي نسهر فيه كمربين وآباء على بناء جيل متشبع بالمسؤولية، والصدق، واحترام الغير، تأتي الشاشة لتنسف هذا البناء في ساعة "ذروة" تلو الأخرى، محولةً الفضاء الأسري إلى حلبة لتمييع القيم وتقزيم الثوابت بأساليب تفتقر لأدنى معايير الاحترافية.
​إن المتتبع للإنتاجات الرمضانية يلاحظ إصراراً غريباً على تقديم صورة مشوهة للرجل، حيث يتم حصره في خانة "الشرير" المطلق أو "الأحمق" المستلب الإرادة، مما يضرب في الصميم صورة القدوة التي يحتاجها الطفل داخل البيت. هذا التقزيم الممنهج لدور الرجل، يقابله طرح لنموذج "تحرري" مشوه للمرأة، لا يبحث عن الكرامة بقدر ما يبحث عن الصدام والتمرد على الروابط الأسرية المقدسة، وكأن التطور لا يتحقق إلا بهدم الأسرة. هذا التوجه لا يخدم قضايا التحرر الحقيقي، بل يخلق جيلاً يرى في الصراع العائلي أصلاً، وفي المودة والسكينة استثناءً، مما يعقد مأمورية الجمعيات التربوية التي تحاول تعليم الأطفال قيم التآزر والعمل الجماعي المبني على الاحترام المتبادل.
​أما الكوميديا التي يُفترض أن تكون وسيلة للترويح عن النفس، فقد تحولت إلى عبء ثقيل بسبب "اللا احترافية" الصارخة لبعض ممتهنيها. لقد صار "الإضحاك" عندنا يرتبط بعاهات نطقية مفتعلة، أو صراخ هستيري، أو ليٍّ للوجوه وحركات بهلوانية سمجة، في غياب تام لسيناريو متماسك أو كوميديا موقف تحترم ذكاء المتلقي. لقد وصل الحد بالمشاهد المغربي، أمام هذا الابتذال، إلى تفضيل الهروب نحو القنوات الإخبارية التي تنقل مآسي الحروب في الشرق الأوسط؛ فرؤية الواقع المرير بصدقه أهون بكثير من رؤية "تمثيل" رديء يستهزئ بالخلقة ويسمم العقول. إن هذا الهروب الاضطراري هو إدانة صريحة لكل القائمين على الإنتاج، وتأكيد على أن المشاهد قد ضاق ذرعاً بـ "الضحك المعلب" والتهريج الذي لا طعم له.
​إن الأخطر في هذه البرمجة هو أثرها على الناشئة؛ فالطفل الذي يتلقى في المدرسة و دور الشباب و الجمعيات و بالمخيمات دروساً في أدب الحوار وعفة اللسان، يجد نفسه أمام "أبطال" تلفزيونيين يمجّدون لغة "الزنقة" والفهلوة والنصب للوصول إلى الأهداف. هذا التناقض الصارخ يجعل من الشاشة خصماً للأسرة و المربي ، حيث تعمل على تطبيع السلوكيات المنحرفة وجعلها مقبولة اجتماعياً. إن أموال دافعي الضرائب يجب أن تُستثمر في بناء الإنسان، لا في تحطيم ذوقه وهدم منظومته القيمية. لقد حان الوقت لتدرك التلفزة أنها شريكة أساسية في التنشئة الاجتماعية، وعليها أن تكف عن كونها "ثقباً" في جدار التربية المغربية، لتصبح شريكاً حقيقياً يصون قيمنا ويحترم تطلعات جيل المستقبل.

حمزة الوكيلي، فاعل جمعوي ومهتم بقضايا الطفولة والشباب