في مشهد غريب عن الأعراف الدولية قامت الولايات المتحدة الأمريكية باعتقال رئيس فنزويلا و حرمه من عقر القصر الرئاسي ، و هي عملية لم تأت من محض الصدفة أو الرغبة في تخليص الشعب الفينزويلي من قيادة ملطخة الأيادي بأموال المخدرات ، و لكن يمكن اعتبارها حسابات سياسية دقيقة أراد منها ترامب الحفاظ على شعبيته و الرفع من أسهمه في سوق التنافس السياسي خصوصا مع تلويحه منذ زمن بشن حرب على إيران يراد بها ضمان الأمن الاقليمي تحديدا و الاسرائيلي تخصيصا مع الرغبة في تامين احتياجات أمريكا من النفط رغم تعثر امدادات الشرق الأوسط ، هذا هو الهدف القصير المدى من عملية فنزويلا ، اما الهدف طويل الأمد فهو محاولة امريكا التمويه بإمكانية الاستغناء عن النفط العربي من اجل الضغط على دول الخليج حتى تقدم تنازلات أكثر لإسرائيل ، و هذا كله يدخل في إطار الاستعدادات للقيام بعمل عسكري ضد ايران بالرغم من تحفظ فريق ترامب على القيام بهذه المغامرة غير محسوبة العواقب ، الا ان اسرائيل و بسبب خوفها من النظام الملالي نسيت قواعد الحسابات الحساسة و بعدها تم إقناع ترامب بهذا العمل العسكري . و انا هنا لن اناقش الانهزامات و الانتصارات لان الامر لا يعدو أن يكون مسألة معارك و سجالات اما الحرب فلن تحط في نظري اوزارها في العاجل القريب كما يتوهم الأمريكيون الذين لم يعودوا يعرفون باب الخروج من هذه الورطة ، الا ان من سقط في المستنقع حقيقة فهو اسرائيل وهي التي اصبحت أهدافا للجمهورية الاسلامية الايرانية ، و لا ننسى دول الخليج التي اصبحت عرضة لانتهاكات ايران لان ضرب دول الجوار فيه قول قانوني لان اي دولة لها سيادة يمكن لها عقد تحالفات مع من تشاء شريطة عدم تهديد دولة اخرى ، فإن استعملت القواعد الأمريكية في الخليج ضد ايران فان هذه الاخيرة لها الحق في الرد على مصدر النيران اما اذا لم تستعمل هذه القواعد في هذه الحرب الضروس فان مهاجمة ايران لدول الجوار يعتبر انتهاكا خطيرا لسيادة الدول الجارة . لقد أخطأت كل من امريكا و اسرائيل حساباتهما السياسية في حربهما ضد ايران ظنا منهما ان استهداف القيادة و رأس الهرم في القرار السياسي سيحدث فوضى في ايران ومن تم سيتغير هذا النظام من تلقاء ضغط الشارع الساخط منذ سنوات ، علاوة على أن الضغط العسكري سيعمل على جعل الحرب قصيرة المدى و هذا اتضح أنه مجانب للصواب لان ايران كانت تتأهب لهذا اليوم مند نجاح ثورة الملالي ، وبهذا فإن اسرائيل و المنطقة دخلت مستنقعا سيكون الخروج منه ثقيل الفاتورة و كذلك لا ننسى ان ايران تكبدت خسائر كبيرة لكن الحرب فرضت عليها فهي لم تهاجم امريكا و قواعدها و لم تشن حربا على اسرائيل إلا من موقع الرد و الدفاع عن النفس ، و قد بدأت تلوح في الافق ملامح شرق أوسط جديد لكن ليس كما خططت له اسرائيل و امريكا لان هذه الاخيرة لن تقوى على فاتورة هذه الحرب بالنظر إلى عدد قتلى جنودها و مواطنيها و كذا التكلفة المالية التي تجاوزت المتوقع بكثير ولعل الدول العربية ستفهم الدرس لأنه لا يحمي الاوطان سوى سواعد أبنائها و ليس بالاحتماء بقواعد مأجورة بكلفة عالية تستنزف مقدرات و ثروات الاوطان الخليجية بدعوى حماية شعوبها من بعبع الغول الإيراني الشيعي ، في حين تأكد لنا اليوم أن هذه القواعد لم تكن سوى فزاعات لم تستطع حتى حماية نفسها من الصواريخ و المسيرات الإيرانية التي أبدت تقدما علميا و تكنولوجيا فاق كل التوقعات و فضح مجانبة التقارير الاستخباراتية و الامريكية لإدراك حقيقة قوة الترسانة العسكرية الايرانية . وفي الاخير نتمنى ان يتغلب منطق الحوار و التنازلات وحقن الدماء على منطق حرب مجانية كان العالم في غنى عنها لأنها لا تأتي إلا بالمآسي و الاوجاع الكل في غنى عنها.





