الاثنين 26 فبراير 2024
اقتصاد

مجلس المنافسة.. راعي اللوبيات لافتراس المغاربة

مجلس المنافسة.. راعي اللوبيات لافتراس المغاربة أحمد رحو، رئيس مجلس المنافسة
تمخض‭ ‬الجبل‭ ‬فولد‭ ‬جرذا؛‭ ‬وازدحمت‭ ‬الغيوم‭ ‬ببعضها‭ ‬فأمطرت‭ ‬قطرة‭ ‬ماء‭ ‬في‭ ‬حقل‭ ‬شديد‭ ‬الجفاف‭. ‬
هذا‭ ‬هو‭ ‬المثل‭ ‬الذي‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬"الإعلان‭ ‬العريض"‭ ‬الذي‭ ‬شيء‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬انتصارا‭ ‬لمجلس‭ ‬المنافسة‭ ‬على‭ ‬شركات‭ ‬المحروقات‭ ‬التي‭ ‬اتخذت‭ ‬من‭ ‬“الافتراس” ونهجا‭ ‬للسطو‭ ‬على‭ ‬أموال‭ ‬المغاربة،‭ ‬دون‭ ‬حسب‭ ‬ولا‭ ‬رقيب‭.‬
فقد‭ ‬أخبرنا‭ ‬مجلس‭ ‬المنافسة،‭ ‬بنبرة‭ ‬المنتصر‭ ‬والفاتح،‭ ‬أن‭ ‬9‭ ‬شركات‭ ‬لتوزيع‭ ‬المحروقات‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬ستدفع‭ ‬غرامة‭ ‬تصالحية‭ ‬بقيمة‭ ‬1.84‭ ‬مليار‭ ‬درهم‭ ‬(حوالي‭ ‬181‭ ‬مليون‭ ‬دولار)‭ ‬بسبب‭ ‬قيامها‭ ‬بممارسات‭ ‬منافية‭ ‬لقواعد‭ ‬المنافسة،‭ ‬علما‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المجلس،‭ ‬الذي‭ ‬تم‭ ‬تأسيسه‭ ‬لمحاربة‭ ‬الاحتكار‭ ‬والممارسات‭ ‬المنافية‭ ‬لقواعد‭ ‬اقتصاد‭ ‬السوق،‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬بدأ‭ ‬التحقيق‭ ‬في‭ ‬مخالفات‭ ‬هذه‭ ‬الشركات‭ ‬عام‭ ‬2016،‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬شكوى‭ ‬مقدّمة‭ ‬من‭ ‬قِبل‭ ‬النقابة‭ ‬الوطنية‭ ‬لمهنيي‭ ‬النقل‭ ‬الطرقي،‭ ‬وهي‭ ‬الشكوى‭ ‬التي‭ ‬وقفت‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬شبهة‭ ‬توافق‭ ‬حول‭ ‬أسعار‭ ‬المحروقات‭ ‬بين‭ ‬الشركات،‭ ‬بشكل‭ ‬ينافي‭ ‬قانون‭ ‬حرية‭ ‬الأسعار،‭ ‬بل‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تعكس‭ ‬تطور‭ ‬الأسعار‭ ‬دولياً،‭ ‬مما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الشركات‭ ‬قامت‭ ‬بالاستنفاع‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬السطو‭ ‬على‭ ‬جيوب‭ ‬المستهلكين،‭ ‬مستغلة‭ ‬الصمت‭ ‬الفادح‭ ‬للحكومة‭ ‬التي‭ ‬يعتبر‭ ‬رئيسها‭ ‬"الباطرون‭ ‬الأكبر"‭ ‬للمحروقات،‭ ‬والمستفيد‭ ‬رقم‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الاستنفاع‭ ‬غير‭ ‬المشروع‭.‬
وفي‭ ‬أكتوبر‭ ‬من‭ ‬2022،‭ ‬صدر‭ ‬تقرير‭ ‬عن‭ ‬مجلس‭ ‬المنافسة‭ ‬تقرير‭ ‬لافت‭ ‬للانتباه،‭ ‬تضمن‭ ‬اتهامات‭ ‬ثقيلة‭ ‬للشركات‭ ‬الفاعلة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬بتعطيل‭ ‬المنافسة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الاتفاق‭ ‬على‭ ‬تحديد‭ ‬أسعار‭ ‬البيع‭ ‬وزيادة‭ ‬أرباحها‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬لا‭ ‬يتلاءم‭  ‬مع‭ ‬الأسعار‭ ‬الدولي،‭ ‬إذ‭ ‬بلغ‭ ‬الربح‭ ‬الصافي‭ ‬الإجمالي‭ ‬لأكبر‭ ‬7‭ ‬شركات‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬10.7‭ ‬مليار‭ ‬درهم‭ ‬(حوالي‭ ‬1.05‭ ‬مليار‭ ‬دولار)‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬2018‭ ‬و2021،‭ ‬ويشمل‭ ‬ذلك‭ ‬نشاط‭ ‬توزيع‭ ‬الديزل‭ ‬والبنزين‭ ‬والغاز‭ ‬والفيول‭ ‬والكيروسين‭. ‬وتُمثّل‭ ‬الأرباح‭ ‬المتأتية‭ ‬من‭ ‬بيع‭ ‬الديزل‭ ‬والبنزين‭ ‬تحديداً‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬النصف،‭ ‬بحوالي‭ ‬6.7‭ ‬مليار‭ ‬درهم‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬نفسها،‭ ‬أي‭ ‬بمتوسط‭ ‬سنوي‭ ‬يناهز‭ ‬1.68‭ ‬مليار‭ ‬درهم‭. ‬فما‭ ‬معنى‭ ‬هذا‭ ‬الكلام؟‭ ‬وهل‭ ‬يمكن‭ ‬الوقوف‭ ‬عند‭ ‬حد‭ ‬"وكفى‭ ‬لله‭ ‬المومنين‭ ‬شر‭ ‬القتال"؟
إن‭ ‬بلاغ‭ ‬مجلس‭ ‬المنافسة‭ ‬يعلن‭ ‬بأن‭ ‬شركات‭ ‬المحروقات‭ ‬أعلنت‭ ‬“التوبة”‭ ‬وتعهدت،‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬إلزامي،‭ ‬بالإقلاع‭ ‬عن‭ ‬عادة‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬التحايل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬السطو‭ ‬على‭ ‬أموال‭ ‬المستهلكين‭ ‬وعدم‭ ‬تكراره،‭ ‬بل‭ ‬وافقت‭ ‬على‭ ‬تفعيل‭ ‬قانون‭ ‬الصلح‭ ‬ووضع‭ ‬آلية‭ ‬لتحديد‭ ‬المخاطر‭ ‬التنافسية،‭ ‬وأنظمة‭ ‬إنذار‭ ‬داخلية‭ ‬فعالة،‭ ‬وتعيين‭ ‬مسؤول‭ ‬داخلي‭ ‬من‭ ‬مدراء‭ ‬الشركة‭ ‬يتولى‭ ‬وضع‭ ‬برنامج‭ ‬المطابقة‭ ‬وتتبعه،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬إمداد‭ ‬مجلس‭ ‬المنافسة‭ ‬كل‭ ‬ثلاثة‭ ‬أشهر‭ ‬بالمعلومات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالمشتريات‭ ‬والمبيعات‭ ‬الشهرية‭ ‬للمحطات‭ ‬ومستويات‭ ‬مخزونها‭ ‬من‭ ‬الغازوال‭ ‬والبنزين‭. ‬وهذا‭ ‬الإعلان‭ ‬يكشف،‭ ‬في‭ ‬العمق،‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬التعهدات‭ ‬والالتزامات‭ ‬كانت‭ ‬غائبة‭ ‬ولا‭ ‬وجود‭ ‬لأي‭ ‬دفتر‭ ‬تحملات‭ ‬بشأنها،‭ ‬فهل‭ ‬هذا‭ ‬يكفي؟‭ ‬هل‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬تظل‭ ‬تلك‭ ‬الأرباح‭ ‬التي‭ ‬جرى‭ ‬تكديسها‭ ‬والاعتراف‭ ‬بها‭ ‬مرتاحة‭ ‬في‭ ‬أرصدة‭ ‬تلك‭ ‬الشركات؟‭ ‬هل‭ ‬يكفي‭ ‬“النصر”‭ ‬المعنوي‭ ‬الذي‭ ‬حققه‭ ‬مجلس‭ ‬المنافسة‭ ‬ليتغاضى‭ ‬القضاء‭ ‬التجاري‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬السرقات؟‭ ‬هل‭ ‬يكفي‭ ‬أداء‭ ‬مبلغ‭ ‬زهيد‭ ‬(3%)‭ ‬مقارنة‭ ‬بالأرباح‭ ‬الفاحشة‭ ‬التي‭ ‬راكمتها‭ ‬الشركات‭ ‬للتغاضي‭ ‬عن‭ ‬اللهفة‭ ‬والكانيباليزم‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وتمتيعها‭ ‬بظروف‭ ‬التخفيف‭ ‬و”عفا‭ ‬لله‭ ‬عما‭ ‬سلف”؟
من‭ ‬أوكل‭ ‬إلى‭ ‬مجلس‭ ‬المنافسة‭ ‬أمر‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بشد‭ ‬أذن‭ ‬شركات‭ ‬المحروقات،‭ ‬والاقتصار‭ ‬على‭ ‬توبيخها‭ ‬والتشهير‭ ‬بها،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يمتد‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬محاكمتها،‭ ‬وانتزاع‭ ‬ما‭ ‬انتزعته‭ ‬من‭ ‬المغاربة؟
ما‭ ‬جرى‭ ‬مع‭ ‬شركات‭ ‬المحروقات‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬يجري‭ ‬مع‭ ‬كبار‭ ‬المنعشين‭ ‬العقاريين‭ ‬الذين‭ ‬راكموا‭ ‬المنافع‭ ‬المادية‭ ‬دون‭ ‬حسيب‭ ‬ولا‭ ‬رقيب،‭ ‬ومع‭ ‬المدارس‭ ‬الخاصة‭ ‬والمصحات‭ ‬الخاصة،‭ ‬ومع‭ ‬شركات‭ ‬التأمين‭ ‬والأبناك‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬بسلخ‭ ‬المغاربة‭ ‬الذين‭ ‬يضطرون‭ ‬إلى‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬القروض،‭ ‬بل‭ ‬تعمد‭ ‬إلى‭ ‬سلخهم‭ ‬وتعليقهم‭ ‬وابتزازهم‭ ‬بالفوائد‭ ‬والغرامات؛‭ ‬وهي‭ ‬تفعل‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬يهيمن‭ ‬عليه‭ ‬هو‭ ‬التواطؤ‭ ‬ورفع‭ ‬اليد‭. ‬وهنا‭ ‬يجب‭ ‬الاعتراف‭ ‬بأن‭ ‬الحكومة‭ ‬وقعت‭ ‬في‭ ‬تضارب‭ ‬المصالح،‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬أعضاؤها‭ ‬هم‭ ‬“باطرونات”‭ ‬لهذه‭ ‬القطاعات،‭ ‬مما‭ ‬يجعلهم‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬شركاتهم‭ ‬ضد‭ ‬مصلحة‭ ‬الوطن‭ ‬والمواطنين‭. ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يبرر‭ ‬النزعة‭ ‬الافتراسية‭ ‬للحكومة‭ ‬التي‭ ‬تقول‭ ‬عن‭ ‬نفسها‭ ‬أنها‭ ‬حكومة‭ ‬كفاءات‭ ‬أو‭ ‬حكومة‭ ‬إنقاذ‭ ‬أو‭ ‬حكومة‭ ‬اجتماعية‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬الغريب‭ ‬بالفعل‭ ‬هو‭ ‬استقالة‭ ‬مؤسسات‭ ‬الوساطة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬“الأحزاب،‭ ‬النقابات،‭ ‬الجمعيات”‭  ‬من‭ ‬لعب‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬الرقابة،‭ ‬وفي‭ ‬الدفع‭ ‬بالمحاسبة‭ ‬إلى‭ ‬أقصاها،‭ ‬كالدعوة‭ ‬إلى‭ ‬“إلغاء‭ ‬قرار‭ ‬تغريم‭ ‬الشركات”‭  ‬ونقل‭ ‬القضية‭ ‬إلى‭ ‬القضاء‭ ‬ليقول‭ ‬كلمته‭ ‬الفاصلة،‭ ‬وأيضا‭ ‬وضع‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬أمام‭ ‬مسؤوليته‭ ‬ودفعه‭ ‬إلى‭ ‬التجرد‭ ‬من‭ ‬صفته‭ ‬الحارقة‭ ‬كباطرون‭ ‬كبير‭ ‬للمحروقات،‭ ‬وممارسة‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الجبهات‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬حماية‭ ‬المستهلكين،‭ ‬ومن‭ ‬أجل‭ ‬وقف‭ ‬شهية‭ ‬المفترسين‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يهمهم‭ ‬لا‭ ‬السلم‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬ولا‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬بل‭ ‬يدفعون‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬إشعال‭ ‬الجبهة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والنفخ‭ ‬في‭ ‬نيرانها‭. ‬
لقد‭ ‬أصبح‭ ‬المواطن‭ ‬هو‭ ‬الحائط‭ ‬القصير‭ ‬لهذه‭ ‬الحكومة‭ ‬غير‭ ‬المواطنة،‭ ‬كما‭ ‬أصبح‭ ‬أعزل‭ ‬أمام‭ ‬الهروب‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬تمارسه‭ ‬مؤسسات‭ ‬الحكامة‭ ‬والأحزاب‭ ‬والنقابات‭ ‬والجمعبات‭ ‬بداعي‭ ‬التغول‭ ‬الحكومي،‭ ‬محليا‭ ‬ومركزيا،‭ ‬والحال‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المواطن‭ ‬تحول،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬الظروف،‭ ‬إلى‭ ‬سلعة‭ ‬لتسريع‭ ‬وتيرة‭ ‬الاغتناء،‭ ‬بينما‭ ‬تحول‭ ‬مفترسوه‭ ‬إلى‭ ‬ممارسين‭ ‬غير‭ ‬عاديين‭ ‬للاتجار‭ ‬في‭ ‬البشر،‭ ‬وهي‭ ‬الجريمة‭ ‬التي‭ ‬يعاقب‭ ‬عليها‭ ‬القانون‭.‬
 
تفاصيل أوفى تجدونها في العدد الجديد من أسبوعية "الوطن الآن"