الجمعة 27 يناير 2023
كتاب الرأي

علي لفته سعيد: " بوح متعدد " للكاتب محمد شخمان.. قراءة في الواقع الثقافي والمدني

علي لفته سعيد: " بوح متعدد " للكاتب محمد شخمان.. قراءة في الواقع الثقافي والمدني علي لفته سعيد
يسعى الكاتب المغربي محمد شخمان في كتابه الذي صدر حديثا والذي عنوانه (بوح متعدد) أن يناقش فكرة منظمات المجتمع المدني وفعالياتها متناولا إياها عبر مسح طوبوغرافي مرة وإشكاليات فكرية مرة أخرى، مناولا إياها عبر مقالات سبق أن نشرها في عدد من الصحف المغربية والعربية في هذا الاتجاه، ورغم تعدد المقالات التي يضمها الكتاب فإن من أهم ما يمكن رصده فيها أنها تتناول الواقع الاجتماعي وما يخص الشبيبة والقضية الفلسطينية باعتبارها قضية العرب الكبرى فضلا عن مواضيع الطفولة والثقافة والعلم، كونها من أهم المواضيع التي تشغل عمل المنظمات المدنية، التي أصبحت كما يقول البعض أنها تشغل الحياة وتحاول الإفادة من تجاربها على واقعنا العربي والمغربي بشكل خاص.
 
يبدأ شخمان كتابه بتعريف المجتمع المدني منه اصطلاح لاتيني قديم استعمله أرسطو. ويعتبر تاريخ هذا المفهوم هو تاريخ تحولات دلالاته منذ تشكله الأول مارا بتشكيلات المعرفة التي تعبر عن ظرفيات تاريخية متميزة، وفي كل تكون للمعرفة يأخذ مفهوم المجتمع المدني بدوره معنى جديدا متميزا عن المعنى القديم و مواكبا للتطورات التي تعرفها كل من البنيتين التحتية و الفوقية، ويفسر معناه في اللاتينية القديمة منه مجموعة سياسية أعضاؤها هم المواطنون الذين يعترفون بقوانين الدولة و يتصرفون وفقها، و في مرحلة ما بعد القرون الوسطى أصبح المجتمع المدني يعني كل تجمع بشري خرج من حالته الفطرية إلى الحالة المدنية التي تتمثل بوجود هيئة سياسية تضبط نظام المجتمع، أي أن المجتمع المدني هو المجتمع المنظم سياسيا. ولا مجال في هذه المرحلة للتمييز بين الدولة و المجتمع، ويمضي في مقدمته انه في سنة 1767 ألف الفيلسوف الاسكتلندي آدم فرجسون كتابا بعنوان (مقال في تاريخ المجتمع المدني) طرح فيه أسئلة حول تمركز السلطة السياسية واعتبر الحركة الجمعياتية هي النسق الأحسن للدفاع ضد مخاطر الاستبداد السياسي و سجل أن تطور المبادلات التجارية و تقسيم العمل وازدهار الصناعات اليدوية. ويستمر في طرح آراء مفكرين وفلاسفة عن هذه المنظمات عبر التاريخ القديم والحديث من خلال مقاربات المشتغلين عليها كهوبز وجون لوك وكارل ماركس وغرامشي.
 
ويتناول شخمان أيضا في فقرة ( دلالة المجتمع المدني بالمغرب) والذي يعلنه أنه كباقي الدول العربي بدأ تداول هذا مفهوم في عقد السبعينات، وبنهاية الثمانينات وبداية التسعينات أصبح المصطلح الأعجوبة، مصطلح زئبقي يتكلم به الجميع ويعني جميع الأشياء، فهو يعني الشعب المتحضر، ويعني الديموقراطية وحقوق الإنسان ودولة التعددية، ويعني مجموع المؤسسات الحديثة المستقلة عن الدولة. ويعطي لمفهوم المجتمع المدني خمسة تعريفات..الأول إنه أداة عمل، وبالتالي فهو يعني الحزب والنقابة والجمعية. وغيرها من المؤسسات التي تؤطر العمل السياسي والثقافي.
 
 الثاني أنه هو مقياس لتطور المجتمع، الثالث أنه عبارة عن شعار تحته يتم إحراز مستوى معين من التطور الحضاري. أما الرابع فهو هو جوهر يجب تحقيقه، والخامس هو فضاء لممارسة الصراع بما يعني أنه ساحة يجب استعمال أدواتها لتهديم الوضع السائد.
 
ويذهب شخمان للحديث عن الدور الثقافي ويتحدث في محاولة إعطاء تعريف للثقافة كاجتهاد خاص تفاعلا مع تعريفات باحثين في الموضوع على المستويين العربي و العالمي، باعتبار أن المثقف عند العرب القدامى هو الأديب و المحدث، والحافظ والعالم والفقيه، أما في اللغة الإنجليزية القديمة هناك ربط لمفهوم الثقافة بالدين والعبادة فهي تعني حراثة، تهذيب، رعاية، تعهد، توليد، استنبات، ويذكر في الكتاب أن بن خلدون عنده الثقافة هي العمران الذي هو الحضارة بعينها والحياة الاجتماعية في كليتها لذا يعد مفهوم الثقافة الآن مفهوما زئبقيا عصيا على الضبط نظرا لشموليته و تعقده..
 
ومن أجل الخروج من هذا المأزق يعطي شخمان عدة توضيحات منها إن الثقافة مفهوم متحرك، ديناميكي ومتطور وغير قابل للتحنيط.. أنه مفهوم غير متعالي على الزمن بل يتحدد ارتباطا بمميزات كل مرحلة تاريخية معينة  إنها خبرة حياتية ومعطى مكتسب وغير مرتبط مباشرة بالفطرة أو الوراثة بل هي مرتبطة بالتربية و التعليم و التأهيل.
 
ويمضي الكتاب في تناول العديد من الشخصيات المؤثرة سواء بالواقع الثقافي أو السياسي أو المجتمع المدني، مثلما يتناول العديد من الذكريات والمهام التي قام بها حول المغرب او زياراته الى  الدول المغاربية الأخرى متناول العلاقة بين أفراد العائلة من منظور ثقافي وأثر سياسي.
في الكتاب ثمة موضوعات قد تكون مختلفة لكنها تتجانس من ناحية المؤثر الثقافي. ولذا هو يطرح في حقل من حقول الكتاب تساؤلا..ما معنى ان تكون حقوقيا ؟ ويجيب أنه معناه أن تنتمي لكل جغرافية العالم شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، معناه أن تنتمي لكل البشرية بمختلف أجناسها و ألوانها.
 
معناه أن تنتمي لكل الثقافات وكل الأديان وأن يكون دينك الأساس هو الحرية و العدل و المساواة ؟ ثم يطرح سؤالا مرتبطا بالأهمية..ما معنى أن تنتمي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان؟ ويجيب أنه معناه أن تكون منفتحا ليس لك عدو، معتدلا و متوازنا لا متطرفا، وأن لا تكون خصما للدولة، وبالضرورة فلن تكون صديقا لها. فأنت تمثل ضميرا جمعيا لا يقبل الظلم من أي كان واتجاه أي كان.
 
كتاب وإن اعتمد على مقالات منشورة إلا أن ما يوحدها ليس الخيط الذاكراتي والحياتي الاجتماعي بل هو المؤثر الثقافي على الحياة السياسية المغربية، وهو أيضا متن لمواقف خاصة يمكن من خلالها التعرف على الواقع المغربي مثلما هي المواقف الشخصية تجاه البلاد سواء من خلال العمل النيابي أو النقابي كما جاء في الكتاب.