الاثنين 19 نوفمبر 2018
جالية

مهرجان"تْويزا" بهولندا والقيم المفْـقُودة في زمن التسـوُل الجمعوي

مهرجان"تْويزا" بهولندا والقيم المفْـقُودة في زمن التسـوُل الجمعوي

لا أظن أن اختيار مصطلح "التويزة" كاسم لمهرجان الأمازيغية بهولندا في يونيو 2014 كان اعتباطيا، لأنه أصلا مصطلح أمازيغي  (ويـز)، ويعني كل صور التعاون والتضامن الاجتماعي الذي يهدف إلى إنجاز عمل اجتماعي معين.. ومن هنا فقد انتشر وسط القبائل الأمازيغية (الريف مثلا)، واتخذ عـدة صور من الحياة كجني الزيتون أو بناء مسجد أو الحصاد أو الزفاف...

ولم يكن اعتباطيا اختيار هولندا أيضا، حيث توجد نسبة عالية من مغاربة العالم من أصول أمازيغية.. ولم يكن اعتباطيا التوقيت كذلك، في ظل ظروف دولية وسياسية وثورة رقمية..

فقيام مجلس الجالية بتنظيم مهرجان "التويزة"، والخاص بالثقافة الأمازيغية، لم يكن بالشيء المجاني، بل يدخل في صُلب اختصاصاته الدستورية.. أولا لأن دستور 2011 في الفصل 5 رفع اللغة الأمازيغية إلى لغة رسمية إلى جانب العربية، بل جعلها رصيدا مُشتـركا لكل المغاربة وبـدون استثـناء... كما أن الفصل 163 جعل من اهتمامات المجلس "... تأمين الحفاظ على علاقات متينة مع هويتهم المغربية..."

وبالتالي فمهرجان هـولندا يحمل هاجس الهوية ورسالة إلى شباب الجيل الثاني والثالث، وتذكيره بثقافة وقيم التضامن كمُكون مُهم للموروث الثقافي الحضاري المغربي، حيث التعدد والتنوع الذي برز في الشق الفني للمهرجان، إذ شارك فنانين أمازيغ، شعبي وصحراوي.. ولعل حضور 12 ألف مُـشارك هو حقيقـة نجاح وليس إدعاء...

لكن الأجمل هو الدقة في اختيار مواضيع للنقاش العمومي المفتوح كندوة "السياسات العمومية للهجرة"، حيث دُعيت حساسيات حزبية مختلفة تمثل الأغلبية والمعارضة اتفقت كلها بداية على أن إشكالية الهجرة يجب أن تبقى بعيدة عن كل مُزايدة أو تصفية حسابات سياسية.. إلا أن مناقشتهم طغت عليها مواقف أديولوجية وأيضا البُعـد أو القُـرب من موقع المسؤولية والقرار.. الشباب الحاضر للندوة حمل أسئلة حارقة وانتظارات وقلق جيل كامل من الأداء الحكومي، حيث شكلت المشاركة السياسية حصة الأسد من النقاش.. فبالإضافة إلى تذكير المتدخلين بمقترحات قوانين فقـد ركز البعض على مسألة حق التصويت للجاليات المقيمة بالمغرب حتى نصل للمعاملة بالمثل..(الفصل 30).

وكم وددنا صراحة رؤيـة وُجـوه مـا فـتـئت تُـنادي بالمشاركة السياسية كحل لكل مُعْضلات الهجرة.. كُـنا نـريـدهـا هناك في هـولندا لتصرخ في وجه السياسيين بأن المشاركة هي ثابت دستوري.. وتُدلي بالحجج وتُـقنع المُتـرددين، خاصة في ظل حضور وُجـوه حزبية مختلفة وفضاء للنقاش الديمقراطي المفتوح.. وغيابها عن الموعد هو دليل عن ضُعف حجتها وأنها احترفت المُنولُوغ و"ـكـاوي القهـاوي..".

نهمس للمُنظمين على أهمية دعوة الصديقي وزير الشغل ،من خلال علاقـته بمؤسسة الضمان الاجتماعي المغربي، مما يُحيل على مشكل أرامل هولندا مع الصندوق الاجتماعي الهولندي، حيث كانت مناسبة للتذكير بمحنة الأرامل وأيضا جهود الحكومة وأيضا توقيع 200 برلماني لعريضة... إلا أن ندوة "الأمازيغية.." كانت الأقـوى، حيث شكلت فضاء للحوار الديمقراطي مع بعض الانزلاقات التي يمكن غـض الطرف عنها بدعوى حماسة الشباب أو لغياب الكثير من الحقائق والمصادر التاريخية الخاصة بحرب الريف مثلا، وبهذا تحطم طابُـو هذه الحقيقة التاريخية، وأن النقاش مُمكن بين شباب من الجيل الثاني والثالث المُنحدر من المنطقة من جهة، وأكاديميون ومؤرخون من جهة ثانية.. وذكر عبد الله ساعف أن بناء الديمقراطية هو صيرورة صعبة ومعقدة وطويلة.. أما الأستاذ عبد الله بوصوف، أمين مجلس الجالية، فقد كانت طريقته في الرد بتقـاسيم وجه كُـلها جـدية والتخاطب باللغة الأمازيغية هي في "حـده الحد بين الجـد واللعب..." في موضوع الهوية باعتبارها مشكلا عالميا أدى إلى تفجير الهويات.. وهو هم وهاجس، شكل حيزا كبيرا في تدخلاته حتى في موضوع نـدوة الرباط "تصور الإسلام في الاعلام الأوروبي" في ماي 2014، وتذكيره بخطر التطرف والقتال في مناطق ساخنة باسم الجهــاد..

تلك الجدية والإحساس بخطورة اللحظة التاريخية بالـغ بعض الجمعويين والمراهقين السياسيين في توصيفها، وكـشـروا عن أنياب ورقيــة، وزاغـوا عن جادة الموضوعية في ظل ثـورة رقمية تُـتيح للجميع الاطلاع على كل أشغال المهرجان والوقوف على تضخم "الأنـا" عنـد فـئة احترفت تسـول المواقف... مُتناسـين  اطـلاعه على العديد من الملفات بحكم مناصبه السابقة بأوروبا.. في حين ذكر أكثر من مـرة أنه في تلك النـدوة بمعطف الأكاديمي والمؤرخ أي الحجة بالحجة العلمية، وضرورة احترام الآخـر رغم الاختلاف في الآراء..

ندوات مهرجان "التويزة" وقفت على غياب المُواكبة والمُصاحبة في البرامج الحكومية الخاصة بتأطير الشـأن الديني رغم تخصيص ميزانية 120 مليون درهم.. فالنتيجة هي وجـود 30 ألف مغربي مُـتشيع ببلجيكـا وذهاب شباب مغاربة العالم للقتال باسـم الجهاد...

أهمية ندوة الأمازيغية أنها كانت مناسبة للشباب بالبوح بكل شيء ومناسبة للأكاديميين للإنصات لكل شيء.. كانت بالفعل فضاء لتفريغ "كبت معرفي.." تنقصه معلومات دقيقة ومصادر علمية موثوقة، حيث وقف الجميع على ضرورة تقوية المحافظة على روابط الهوية كما تقول المادة 16 من الدستور.. فالإيمان بأن التنوع والتعدد الثقافي هو قاطرة الأمان للشباب المهاجر ودون الانغلاق والانزلاق في اتجاهات متطرفة قـد تقـوده إلى ارتكاب أفعال "بوكو حرام.."

توفقت " التويزا" بهولندا في مناقشة ثُـنائيات المتناقضات إلى حـد كبير، أي الانفتاح ضد الانغلاق، والتعدد والتنوع ضد التطرف، والنقاش الأكاديمي ضد النقاش الشعبوي-السياسوي، والاختلاف ضد الخـلاف، والصراحة ضد الـوقاحة، والحقيقة التاريخية ضد المحاكمة الشعبية..

الأكيد أن النسخة الثانية لمهرجان "التويـزا" بهولندا في السنة المقبلة نريدها أكثر جُـرأة وأكـثر تميُـزا من حيث مواضيع النقاش الأكاديمي العمومي أو من حيث عيـار الحضور.. وفي الأخير أذكر أنني أمازيغي مغربي أوروبي، وبالتالي فموضوع  اللغة الأمازيغية في مهرجان "التويزا" يهمني كمُشترك لجميع المغاربة وبدون استثنـاء باسـم دستـور 2011..