الثلاثاء 13 نوفمبر 2018
فن وثقافة

بوجمعة أشفري:عن "ميتافيزيقا" القول الشعري بالفعل.. والصورة

بوجمعة أشفري:عن "ميتافيزيقا" القول الشعري بالفعل.. والصورة

ها هو بوجمعة أشفري يقترف شعرا من جديد. يحيط قارئه المفترض مجددا بعناية جمالية فائقة ليأخذه، على متن قارب متعدد الركاب، إلى مرفأ الشعر. مرفأ الشعر بالفعل في ديوان شعري جديد منحه الشاعر اسم "ميتافيزيقا تتسكع في خمارة بدون سراويل".

 

سعيد عاهد

 

بعد «أرنب الغابة السوداء» (2000)، «الموتى (لا) يحبون السكر» (2011) و«جمهورية كاليغولا» (2012 مترجم إلى الفرنسية)، وعقب مؤلفات جمالية وأخرى جماعية، يرسو بوجمعة أشفري على رصيف لعنته الأصل، موقعا «ميتافيزيقا تتسكع في خمارة بدون سراويل» (منشورات حلقة أصدقاء ديونيزوس الأدبية والفنية)، الذي هو عبارة عن قصيدة طويلة تحتل 23 صفحة من أصل 44 صفحة التي يتضمنها الديوان المرصع بصور فوتوغرافية ولوحات تشكيلية، والمشتمل على ملحق يشي يلوائح الاستشهادات والكلمات وأسماء الأعلام والأمكنة. إلى باريس يحلق بك بوجمعة أشفري، عاصمة النور التي يقتفي في أزقتها وحاناتها وشوارعها وساحاتها ومقاهيها ودوائرها وأوقاتها وسوائلها... يقتفي، في جغرافيتها الآسرة لمن يتقن إعمال البصيرة والبصر، أثر النور وآثاره في ثنايا الجسد:

«ماذا يفعل الجسد في هذا الوقت؟

يلزمه السقوط في كون اللغة..

يلزمه السكن في الاسم..

يلزمه الأحمر يزحف على أفق النهر..».

يتوقف كثيرا في خمارة «بدون سراويل» العتيقة التي استمدت حالتها المدنية من الاسم الذي أطلق على المتمردين الشعبيين أثناء الثورة الفرنسية، والتي تقع في زقاق «لاب» بالدائرة الحادية عشرة:

«هنا في خمارة «بدون سراويل» لا طريق إلى «لاسين» سوى رائحة إبط غجرية خارجة للتو من قبو حصن «لاباستي»،

وخاصرة باريسية لم يتمكن منها قاتل العطر «غرونوي»:

عطر المرأة موتها...».

في البدء، ثمة شاعر مثقل بسؤال الاكتشاف، ينطلق إلى ضفاف مغايرة لتسعفه الكلمة وهو يستدعي المفارقات: «ها أجدني وجها لوجه أمام مطر الصيف..

كأنه لا يهطل من فوق..

كأنه يسير معي، جنبا إلى جنب،

في الشوارع والساحات والحدائق وباحات المتاحف...».

وفي الختم، ثمة احتفاء بالشعرية والشعر، مراودة للحرف كي يرفع حجابه عن ظاهره ويعري باطنه، تفاعل جمالي مع الكائنات والأشياء، تجليها وملابساتها، بوحها وأسرارها:

«ما أشد حاجتي الآن إليكِ..

ما أشدني الآن إليكَ أيها السديم..

يا أثر التراب والدم..».

وبين العتبتين، يشحذ بوجمعة أشفري حاستي البصر والتذكر لديه، هو العابر-المقيم في «الحاضرة الدولية للفنون» في باريس.

من سماء أخرى، سماء الهنا والآن، تتسلل إلى الديوان-القصيدة، إلى باريسه المعالجة شعريا، استشهادات منتقاة بعناية، قد تكون كلفت صاحبنا وجعا في الرأس ودزينة جرعات، لمحمد بنطلحة ومحمد عنيبة الحمري، الشاعرين الرائعين والاستثنائيين، المحمدين اللذين أهداهما عمله. تلتقي شعريته بشعريتهما لينفتح أفق آخر في أفق قوله الشعري.

وبتواضع شعري وجمالي هو من ميزات نص أشفري، ومن إضافاته، يدمج في متنه استشهادات أخرى تكشف عن قبيلته: المغني أول ستيوارت، نيتشه، سيوران، دريدا والكاتبة الفرنسية لوي إيريغاراي.

أجل عزيزي، إنه ليس من اللازم إعادة صياغة ما قاله الآخرون بحس رفيع ولغة راقية!

في أفق نص بوجمعة أشفري دائما وأبدا إذن أفق إضافي يحمل توقيعات غيرية متعددة، فهو يهب بكرم صوته لمن يؤمن بإبداعيتهم. وبين حزمة أبيات وأخرى، يصر فارس اللغة، الذي زاده الكلمات، على إضاءة طريق القارئ المبحر معه على متن قاربه الشعري بواسطة لوحات وصور فوتوغرافية يمكن اعتبارها نصا بصريا ينير عتمة السبيل.

هي قصيدة بصرية بامتياز، توظف مادة الشعر الأصل، مزودة إياها بعضو جنسي يخصب رحمها بالتشكيل والصورة الانطباعية لغويا:

«يكاد الضوء لا يخفت، وعتبات خمارات زقاق «دو لاب»، عند أول انعراج في شارع «لاروكيت» من جهة ساحة «لاباستي»، مشرعة على عيون يمتزج فيها النبيذ بأديم الرغبة.»

هي قصيدة بصرية بامتياز تستضيف إلى جانبها جنسا فنيا يعشقه بوجمعة ويشتغل عليه: الصباغة والصورة الفوتوغرافية كدالين ينوبان عن القاموس.

بوجمعة، وميتافيزيقاك تتسكع في خمارة بلا سراويل، أجدني في موقف شخصية لوحة إدوارد مونش (الصرخة) وقد حادت عن رمزيتها لتصيح:

«انسكب أيها الشعر نبيذا يأخذني/نا إلى مدارج لذة مركبة لا تقاوم.

اهجر صمتك، رغم حكمته الغميسة،

وكرر الإنشاد

ليرحل الجسد إلى أراضي أقصى درجات الشهوة...».