الثلاثاء 28 يونيو 2022
خارج الحدود

بعد نصف قرن: لماذا فشل نظام الملالي في بناء دولة بإيران والتصالح مع العالم؟

 
بعد نصف قرن: لماذا فشل نظام الملالي في بناء دولة بإيران والتصالح مع العالم؟ المرشد علي خامنئي وجانب من الاحتجاجات الدموية التي عرفتها إيران مؤخرا

بدأت تلوح في الأفق الإقليمي نتائج دالة على نهايات ومآلات بعض الخيارات وينبغي تأملها لاستخلاص العبر.

كتبت في أكثر من بوح سابق عن نهاية الأوردغانية التي انتهى بها الحال إلى تسول اتفاقيات لإنقاذ ماء الوجه من دول الاعتدال العربي كالسعودية والإمارات وعقد مصالحات مع النظام المصري والتبرؤ الضمني من التنظيمات الإخوانية والانصياع بطواعية لإسرائيل بحثا عن رضاها. وكل هذه الخطوات مناقضة لما ظلت ترفعه من شعارات وتدافع عنه من سياسات. لم يوصل التنطع والتطرف والشعبوية "الخليفة" أوردغان إلا إلى مزيد من الإذلال بعد الفشل الاقتصادي والدبلوماسي والسياسي الذي حصدته تجربته مقارنة مع ما رسم لها من أهداف وسوق لها من أحلام.

وفي هذا البوح نسلط كذلك الضوء على مآلات الحلف "الممانع" و"المقاوم" الذي تتزعمه إيران الشيعية الفارسية. وصدقوني أن ليس في هذا النعت أي تجن أو تنقيص أو استهزاء ولكنه توصيف موضوعي لواقع الحال يحكي حقيقة العداء المذهبي الذي تكنه القيادة الإيرانية للعالم العربي السني.

رغم كل الحظر والتعتيم المفروض على الداخل الإيراني استطاع الشعب إيصال احتجاجاته للعالم وهو يطالب بتحسين ظروف معيشته في مسيرات عفوية لم تنفع معها كل الترتيبات الأمنية لحرس الثورة. الصور المتناقلة لاقتحام المحلات التجارية تبرز حجم المعاناة الشعبية في دولة بترولية صار الإيرانيون مقتنعون أنهم أولى بثرواتها من التنظيمات الإرهابية التي تنعم بها وتنفقها في قضايا ومجالات لا تهم الإيرانيين ولا تحظى عندهم بالأولوية.

يمكن لكل مطلع معرفة الطابع الطائفي لنظام الملالي من خلال تدقيق النظر في المناطق المتضررة أكثر من موجة الغلاء ونقص المواد الغذائية، وتلك التي خرجت وهي تعلم أنها تغامر بمصيرها وتعلم ما ينتظرها من حرس ثوري لا يرحم ظنا منه أنه يتقرب إلى الله بإراقة الدماء لأنه لا يتقن من العبادات إلا هذه.

إيران الثورة لم تنجح طيلة نصف قرن في بناء دولة والمصالحة مع العالم وبناء نموذج تنموي يوفر للشعب أساسيات العيش الكريم رغم ما تزخر به البلاد من ثروات ورغم ما أتيح لها من فرص لأنها صرفت كل قدراتها لتوتير أوضاع دول الجوار وصناعة الميليشيات وتصدير الثورة والترويج للتشيع. والنتيجة أنها فشلت في إرضاء شعبها ونيل ثقة المنتظم الدولي.

لا يقتصر الفشل الإيراني على الداخل فقط، فقد بدأت تحصد الفشل في الخارج، بدءا بالعراق التي سقط فيها أتباعها بصناديق الاقتراع فلجأوا إلى أساليبهم المفضلة في التعطيل. وقد مرت سنة على الانتخابات دون أن تتشكل المؤسسات حتى ينعم العراق الجريح بنوع من الاستقرار مما جعل رمزا شيعيا مثل مقتدى الصدر، المتمسك بعروبته رغم سقطاته، يصدع بكلمة الحق محملا إيران مسؤولية التعطيل. والحقد الإيراني على العراق تاريخي بسبب حضارتها وانحيازها دائما لمحور الاعتدال قبل أن تسقط رهينة لميليشيات الحشد الشعبي ومن على شاكلته.

والهزيمة الثانية لإيران كانت هذا الأسبوع في لبنان. رغم تهديدات حزب الله للبنانيين، ورغم لغة الوعيد والدم والموت صوت اللبنانيون لخيار الحياة وفضحوا الطائفية المنغلقة لهذا التيار، وخلصوا المسيحيين من أسر الحزب هناك ووجهوا ضربة قاصمة لهذا التحالف.

فقد التيار العوني ريادته المسيحية، وفقد أشهر المقربين من حزب الله مقاعدهم البرلمانية في الدوائر المحسوبة تاريخيا على هذا الحزب، وانتفى حضور أنصار هذا الحزب وسط الطائفة الدرزية، وتناقص إلى حد الانعدام حضورهم وسط السنة. اتضح أنه مشروع طائفي مفروض على الشعب اللبناني وهو يعيش الآن عزلته التي كان يخبئها بشراء تحالفات من طوائف أخرى.

هل يكمل التيار "الممانع" اللعبة الديمقراطية حتى آخرها أم ينقلب عليها مفضلا خيار التعطيل كما هو شأن شيعة العراق وحوثيي اليمن؟

هل يعترف قادة الحزب أنهم قادوا البلاد نحو الكارثة وتسببوا لها في خسارات لا تقدر وانزلقوا بها نحو عزلة عن محيطها الداعم لها تاريخيا؟

هل يعترفون بأن زمن حكمهم هو أسوأ زمن بعد الحرب الأهلية؟

لن تبني سياسات التعطيل دولة قوية وقادرة، ولكنها قد تنجح في إفشالها وجرها لتصبح ساحة مواجهة بالوكالة لحروب يبعدها البعض عن ترابهم عمدا وكأن لبنان صار ساحة نفايات. وهذا هو مبتغى هذا التحالف العاشق للدماء والتخريب والحروب لأنه لا يتقن غيرها.

الخوف على لبنان وغيره قائم كلما تلقى هذا الحلف هزيمة لأنه مثل الجماعة إياها لا يتقن صناعة الحياة ولا يحتكم لقواعد اللعب النظيف وكل ما يهمه هو مصالحه وبعدها الطوفان. تذكروا جيدا هذا العنوان.

حين يرى أبو وائل هذه النتائج يتأكد أن الاعتدال نعمة وحكمة مهما بدا طريقه صعب، وأن الشعبوية والتنطع إلى زوال مهما بدت جاذبيتهما. فلا يصح إلا الصحيح.

 

عن موقع "شوف تيفي"