الجمعة 23 يوليو 2021
كتاب الرأي

الحسين بكار السباعي: مناورات الأسد الإفريقي بالصحراء المغربية، هل هي مؤشر لنقل إدارة أفريكوم للمغرب؟

الحسين بكار السباعي: مناورات الأسد الإفريقي بالصحراء المغربية، هل هي مؤشر لنقل إدارة أفريكوم للمغرب؟ الحسين بكار السباعي

بداية مقالنا، إحدى المقولات الشهيرة لهنري كسنجر: "ان التاريخ هو ذاكرة الأمم، أو معمل كبير لتجارب البشرية، يحفل بمعادلات النجاح لمن يحسن صياغتها ".

 

حقيقة أن الدول تختلف في مقومات ومعدلات النجاح، ليس فقط على مستوى سياستها الداخلية ولكن كذلك على مستوى سياستها الخارجية، ومدى تدبيرها للازمات الطارئة. وحتى وإن توفرت على تلك المعادلات المحفزة لتطورها وتصنيف مكانتها وتقييم حجم سياستها الداخلية والإقليمية والدولية في مختلف المجالات مقارنة مع باقي الدول، يبقى الأهم في مدى امتلاكها لتقنية ومعرفة صياغة تلك المعادلات وطريقة توظيفها .

 

كما لا يمكن لأحد، أن ينكر الجهود الدولية التي قادتها الديبلوماسية المغربية، من أجل الدفاع عن قضية الوحدة الترابية، وعن المقاربات المتعددة في تدبير الملف، ومنها توالي فتح القنصليات بالعيون والداخلة دون أن نغفل الحدث التاريخي الكبير الذي عرفته العيون المتمثل في الزيارة الملكية والتي حملت رسائل متعددة للمجتمع الدولي وكذا لخصوم الوحدة الترابية، على أن الصحراء جزء لا يتجزأ من المغرب وبجدية مقترح الحكم الذاتي وهو أقصى ما يمكن تقديمه كحل للمشكل المفتعل والخطوط الحمراء التي لا يجب تجاوزها في التعاطي الإقليمي والدولي مع قضيتنا العادلة .

ينضاف لكل تلك المكتسبات الاعتراف الامريكي بسيادة المغرب على صحرائه .

 

لن نقف على كل المحطات التي ميزت التناول الدبلوماسي لقضية الصحراء المغربية والتي تميزت في إطار التوجيهات الملكية بكونها دبلوماسية هجومية استباقية، وهذا ما اتسم به رد المغرب الحاسم على الجارة الشمالية واقصائها من عملية مرحبا، بل وأكثر الرد القوي للمغرب بأن ازمته مع إسبانيا، هي أزمة ثنائية ولا مجال لإقحام الاتحاد الأوروبي في نزاع، تتسابق فيه إسبانيا لتحقيق مصالحها الخارجية وعلى حساب قضية وحدة دولة ذات سيادة كاملة وعضو فاعل في المنتظم الدولي. إسبانيا انسحبت من مناورات الأسد الافريقي الأخيرة.

 

هذه المناورات التي اختارت منطقة المحبس بالصحراء المغربية، والتي تعتبر جزءا من هضاب الحمادة المطلة على تندوف، التي تضم قاعدة عسكرية ومطار جوي جزائري، وتستغلها البوليساريو كنقطة انطلاق لمناوشاتها ضد المغرب، وفي تعاملها مع العصابات الإرهابية المتاجرة في السلاح والبشر والإعانات الانسانية التي يتحملها دافعو الضرائب الأوروبيون والغربيون من جيوبهم. تندوف التي تحتضن مخيمات المحتجزين الصحراويين المغاربة وبعض من جنسيات إفريقية، تستغلهم الجزائر على أساس أنهم لاجئون صحراويون  .

 

مناورات جوية وأرضية، يقودها خبراء وضباط هندسة العمليات العسكرية الميدانية المرتبطة بتحديد الأهداف عن طريق الأقمار الاصطناعية المعدة لمباشرة مختلف التدخلات العسكرية لمواجهة الأزمات وتحديد تواجد الجماعات الإرهابية والمجموعات شبه العسكرية المدعومة من دولة، وبتكنولوجيا حربية عالية  تتلاءم وطبيعة تضاريس الصحراء الكبرى  .

 

ما وقع بالكركرات في أكتوبر 2020 حين اقتحمت عناصر من البوليساريو الجدار الأمني، وأوقفت حركة المرور بهذا المعبر لأسابيع، مما مس بشكل خطير التجارة الدولية بين المغرب وموريتانيا ومختلف دول الغرب الإفريقي وعلى رأسها دولة السنغال. لتتدخل بعده فرقة العمليات الخاصة التابعة للقوات المسلحة الملكية بتحرير المعبر من مليشيا البوليساريو ودون استعمال رصاصة واحدة.

أضف إلى ذلك الاستفزازات التي تعرض لها عناصر قوات المينورسو باعتراض عرباتهم ونزع لوحات ترقيمها الزرقاء بدعوى انها تحمل اسم المغرب، ناهيك عن جرائم خطف وقتل استهدفت اشخاص من جنسيات مختلفة كانوا بصدد التنقيب عن الدهب بالمنطقة العازلة .

 

أمر اتضح معه للعالم، أن التهديدات الأمنية القادمة من الساحل والصحراء، والتي تقودها جماعات إرهابية وعصابات الاتجار في الأسلحة والبشر ومختلف الجرائم المنظمة، تستغلها البوليساريو وصنيعتها الجزائر لزعزعة الأمن والاستقرار في حدودها مع الشقيقة موريتانيا، وتهدد المشاريع الاستثمارية الدولية والاتفاقيات الاقتصادية التي أبرمها المغرب مع العديد من الدول، لما تعرفه  الصحراء المغربية من أمن واستقرار وتنمية مستمرة جعل منها قطبا اقتصاديا دوليا من خلال مشاريع ضخمة كميناء الداخلة الاطلسي وميناء مهريز الدوليين، والدفع بإعادة إعمار مدينة الكويرة وإحداث ميناء تجاري بها سيكون له دور مهم في التجارة البحرية مع الدول الإفريقية .

 

 لنعد بقرائنا الأعزاء لسنة 1980 ونقلا عن جريدة  "the NewYorktimes"في مقال لها  نشر عن تستر الولايات المتحدة الأمريكية مقتل مواطنها  Joseph Christian الذي قتل بدم بارد في الرابوني سنة 1980 رغم وجود شهود عيان التقتهم السفارة الأمريكية بالعيون وأرسلتهم لواشنطن للقاء وزارة الخارجية؟

أمريكا أقامت الدنيا ولم تقعدها على ليبيا القذافي بسبب حادثة لوكيربي وصمتت صمت القبور سنة 1980.

بعد استهداف طرائر لها بتاريخ 11 دجنبر 1988 قتل جميع أفراد الطاقم الأمريكيين الخمسة الذين كانوا على متنها عندما أصاب صاروخ أرض - جو طائرة تستعمل لرش الجراد، من طرازDC-7، وتحطمت في الصحراء. كما أصيبت طائرة أخرى من طراز DC-7 مستأجرة من قبل وكالة التنمية الدولية لكنها هبطت بسلام في سيدي إفني بالمغرب، حيث كانت كلتا الطائرتين ترشّان ضد غزو الجراد في السنغال.

ويضيف ذات المقال أن البوليساريو: اكتفت برسالة تلكس telex من الجزائر العاصمة إلى وكالة أسوشيتد برس، تقول فيها (إن متمردي البوليساريو، الذين يقاتلون المغرب من أجل استقلال "الصحراء الغربية"، أخطأوا  ضرب طائرتي DC-7 لاعتقادهم أنهما طائرتين عسكريتين مغربيتين).

 

المتتبع لما قامت به البوليساريو، وتقوم به في منطقة الرابوني، ووجود مقاتلين تابعين لها من تنظيم داعش الإرهابي، يجعل الجزائر مسؤولة أمام المنتظم الدولي على رعاية واحتضان منظمة إرهابية تسعى إلى زعزعة الأمن والاستقرار بمنطقة الغرب الافريقي، والمس بالأمن الحدودي بين المغرب وموريتانيا .

ولعل الحفاظ على الأمن ومواجهة الأزمات ومحاربة الإرهاب، بما في ذلك الجماعات المسلحة الشبه عسكرية التي ترعاها دولة، والتي لا يمكن لأي خبير عسكري أو أمني أن يستثني منها عصابة البوليساريو، كانت من بين أهداف التداريب والمناورات الميدانية، لتقوية قدرات الجنود التابعين لمختلف الوحدات العسكرية للدول المشاركة في تداريب الأسد الإفريقي لسنة 2021 بما فيها قوات الحلف الأطلسي، باستثناء إسبانيا المنسحبة من التداريب، نظرا للأزمة الديبلوماسية الطارئة بين الرباط ومدريد واستقبال المدعو بن بطوش، بل والسماح بمغادرته ترابها دون تفعيل مساطر التحقيق الصادرة في حقه من طرف قضائها باعتباره مجرم حرب .

 

إن التداريب العسكرية الميدانية، التي عرفتها مناطق من الجنوب المغربي، بما فيها منطقة المحبس بالصحراء المغربية، وعلى مرمى من منطقة تندوف، والتي تهدف ليس فقط إلى توثيق العلاقات العسكرية بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية وتطوير المهارات الميدانية والقتالية للقوات المشاركة، بل كذلك إلى التدريب على تضاريس متنوعة منها (صحراء وهضاب ووديان ومنبسطات ومناطق قريبة من البحر) والتي تعكس تضاريس مجموع منطقة الصحراء الكبرى.

مع العلم ان مناورات الأسد الإفريقي والتي انطلقت أول نسخة منها سنة 2007 لتستمر سنويا، باستثناء سنة 2013، التي تم إلغاء المناورات فيها بناء على طلب من المملكة المغربية ردا على مساعي واشنطن تقديم مسودة قرار إلى مجلس الأمن لتوسيع مهمة بعثة المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان بالصحراء المغربية .

والأهم في هذه المناورات الممتدة مند سنة 2007 والتي شملت هذه السنة 2021 مناورات بالصحراء المغربية وباستعمال الذخيرة الحية ومشاركة دول مختلفة هو تثبيت لقرار الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب على صحرائه، وإجماع دولي على وجود خطر يتهدد الأمن والسلم بمنطقة الغرب الإفريقي تقوده تنظيمات إرهابية وجماعات مسلحة من دولة، هدفه زعزعة الاستقرار والسلم بالمنطقة ويشكل تهديدا مباشرا ضد كل تنمية واستثمار دولي بالمنطقة .

 

لن نطيل على قرائنا الكرام، أن مناورات الأسد الإفريقي، والتداريب المباشرة من طرف القوات الإفريقية والدولية المشاركة وأهداف هذه التداريب والتي تدخل كلها في إطار أهداف وحدة العمليات العسكرية الامريكية بأفريقيا أفريكوم والتي تضم  53 دولة إفريقية .

وتهدف حسب مسؤولو البنتاغون الأمريكي إلى التصدي  لانتشار ظاهرة الإرهاب الدولي، سيما شبكة القاعدة في دول الساحل والصحراء، إضافة إلى حماية الاستثمارات الغربية بالقارة ومصادر الطاقة ومواجهة زحف الصين  .

 

وخلاصة القول إن المملكة المغربية استطاعت أن تحقق انتصارات ديبلوماسية، ومواقف حازمة بخصوص قضية الوحدة الترابية، فضلا عن أنها أصبحت تلعب دورا مهما بإفريقيا بعد عودتها للاتحاد الافريقي، ودورا عسكريا استفاد من تطوير القوات المسلحة الملكية لترسانتها العسكرية وامتلاكها لتكنولوجيا عسكرية متطورة كشفت بعض اسرارها عمليتي درون الأخيرة، الأمر الذي يجعل المغرب البلد الإفريقي الوحيد المؤهل لاحتضان مقر قيادة أفريكوم بعد نقل إدارة قيادتها من ولاية بادن فورتمبرغ في جنوب ألمانيا.

 

- الحسين بكار السباعي، محام بهيئة المحامين بأكادير والعيون، باحث في الإعلام والهجرة وحقوق الإنسان