الأربعاء 26 يونيو 2019
كتاب الرأي

مصطفى كرين: فصل المقال في ما يخص توظيف الأساتذة بالتعاقد

مصطفى كرين: فصل المقال في ما يخص توظيف الأساتذة بالتعاقد مصطفى كرين

مرة أخرى، وبعيدا عن كل أشكال السمسرة والركوب على الأزمات لتحقيق مكاسب سياسية، أجدني مضطرا لإعادة التعبير عن رأيي ورأي المرصد الوطني للعدالة الاجتماعية، كما سبق أن أعلناه وضحناه، والمتعلق بالوظيفة العمومية بشكل عام والاحتجاجات التي يخوضها الأساتذة المتعلقة بمسألة التوظيف بالتعاقد بوجه خاص، والذي عبرنا من خلاله عن انتهاء مدة صلاحية منظومة الوظيفة العمومية وتحولها إلى عائق كبير وأساسي في وجه التنمية والتطور الاقتصادي والاجتماعي.. كما قلنا إن الأمر لا يتعلق بإصلاح هذه المنظومة، وإنما بالاستفتاء عنها تماما وإبداع منظومة بديلة مبنية على التعاقد والمردودية والأهداف، ذلك أن الترسيم في مناصب الشغل يتعلق أساسا بالتوظيف في مصالح الدولة والإدارات العمومية دون أن يكون مرتبطا بأية مردودية أو أهداف تعاقدية. بينما يعتبر التعاقد الصيغة الجديدة المثلى للرفع من مردودية الموارد البشرية والتقليص من تكاليف الإنجاز وسد أبواب الريع، وقد نهجتها بنجاح العديد من الدول الرائدة اقتصاديا، كما أن الترسيم لا يعتبر بأي شكل من الأشكال حلا لمشكلة البطالة، حيث لا يمكن للدولة الاستمرار إلى ما لا نهاية في إغراق الإدارة بالموارد البشرية الغير الضرورية وإثقال ميزانية الدولة بميزانيات التسيير.

إن الترسيم يعني أن تضع الدولة يدها في جيب المواطنين من جديد وبشكل مستمر لتمكين المرسمين من أجورهم الغير المرتبطة أصلا بمردودية، وبالتالي فإن ذلك سيؤدي لزيادات متتالية ومستمرة في الضرائب، ما سيؤدي إلى غلاء المعيشة وبالتالي ارتفاع الأسعار وارتفاع نسبة التضخم وسينسف حيوية السوق ويؤدي إلى تدهور تنافسية الاقتصاد الوطني وبالنهاية سنجد أنفسنا أمام مزيد من البطالة.. وإذا لم تلجأ الدولة للزيادة في الضرائب فستضطر للاستدانة من أجل أداء هذه الأجور، وبالتالي ارتفاع المديونية وارتفاع خدمة الدين (داخليا كان أو خارجيا)، وبالتالي قتل فرص الأجيال القادمة في الحياة الكريمة؛ وخصوصا أن هذا النهج سيؤدي إلى النقص المتواتر في ميزانية الاستثمار، وهو ما يعني كذلك نقصا في فرص الشغل.

وعلى الصعيد الاجتماعي فإن من نتائج الاستمرار في منظومة الوظيفة العمومية كما هي حاليا، والمبنية على الترسيم سيؤدي إلى هذا أيضا الزيادة في التكلفة الريعية لصناديق الضمان الاجتماعي والتقاعد، وهي صناديق مفلسة أصلا كما يعلم الجميع.

بقي أن نشير إلى أن الزيادات الضريبية المتواترة تعني كذلك إعداما للقطاع الخاص وهروبا للاستثمارات حتى لا يجد المستثمرون أننفسهم مجبرين على توظيف اضطراري للعاطلين، دون أية ضمانة للمردودية؛ وكل هذا سينتج لنا العديد  الأزمات الاجتماعية.

أما على مستوى المبدأ، فإنني أطرح التساؤل التالي: إذا كانت الأطر التعليمية أو الصحية أو الإدارية أو التقنية أو غيرها تطالب بالترسيم في الوظيفة العمومية، فلماذا تتسابق بعد ذلك للظفر بمناصب لدى المؤسسات الخاصة وفق نظام التعاقد؟

- د. مصطفى كرين، رئيس المرصد الوطني للعدالة الاجتماعية