تنشر جريدة "أنفاس بريس" حلقات من ذكريات الكاتب الصحافي محمد شروق، بدءًا من خدمته المدنية بوزارة الداخلية والإعلام في 1 دجنبر 1986، وصولًا إلى إحالته على المعاش في 25 مارس 2024، بعمالة الدار البيضاء أنفا كمستشار للعامل في الصحافة والاتصال.
مفاجأة صادمة من مراسل صحافي
من بين الذكريات التي ستظل عالقة في ذهني أثناء عملي مع عامل المحمدية عزيز دادس – الذي أعتبره أخًا – قصة مراسل صحافي غريبة وعجيبة.
لن أذكر الأسماء تفاديًا للإحراج، وكل ما أسرده تم بأمانة وأمام شهود.
في أحد الأيام، نشر المراسل سلسلة مقالات حول "تفشي البناء العشوائي" في دوار تابع لعمالة المحمدية، ما أثار اهتمام السلطات المحلية والعامل نفسه. استدعاني العامل لمناقشة سبب تركيز المراسل على ذلك الدوار، وهو شخص أعرفه، وكان يعرفني أيضًا، رغم أننا لم نلتقِ قط من قبل.
عادةً، كان جميع المراسلين المعتمدين يحضرون أي نشاط أو حدث رسمي، أو يأتون للعمالة للبحث عن معلومات، باستثناء هذا المراسل.
عثرت على رقم هاتفه فاتصلت به، وبدا سعيدًا بالمكالمة. اتفقنا على لقاء صباح اليوم التالي في أحد المقاهي لتناول الفطور معًا.
دخلت في بداية اللقاء مباشرة للموضوع، وطمأنته أنني، كصحافي، أؤمن بحرية التعبير وكشف الاختلالات بشرط الدقة والمصداقية.
أجابني أنه يعرفني عبر زملاء صحافيين في الدار البيضاء، وفاجأني بالقول إن مجرد اللقاء بي شرف له، وأنه لن يكتب عن ذلك الدوار أو أي دوار آخر. صدمت قليلاً، لكنني شددت على أنه يجب أن يحافظ على حريته الصحافية ولا يتخلى عن رسالته.
طلب غريب ومفاجئ
في مساء نفس اليوم، اتصل بي المراسل ليقدّم لي طلبًا غريبًا، جمع بين الصدمة والمفاجأة: طلب مني التدخل للحصول على شهادة سكنى لامرأة أرملة من عائلته، تقطن بالدوار نفسه الذي كتب عنه مقالاته حول البناء العشوائي.
أخبرت العامل دادس مباشرة، فقال: "يمكنني مساعدته في أي شيء إلا تقديم شهادة السكنى هذه."
تركت الموضوع جانبًا حتى المساء، ثم لحقت بالمراسل قرب محل سكناه، دون أن أخبره بالرفض حتى نهاية اللقاء.
قدمت له الوثائق، مع وعد بتقديم أي مساعدة أخرى باستثناء شهادة السكنى. لم يشعر بالحرج وقال:
"سي شروق، إلى عندك شي 1000 درهم حتى لراس الشهر وأردها لك."
ذهبنا معًا إلى أقرب شباك بنكي وأعطيته المبلغ على أساس أنه سلف حتى نهاية الشهر.
في اليوم التالي، أخبرت العامل دادس بتفاصيل اللقاء، فقام بتعويضي بضعف المبلغ، واتصل برئيس قسم الحظيرة ليجهز لي سيارة داسيا جيدة في اليوم الموالي.
مرّ عدة أشهر، ولم يعد لي المراسل المبلغ الذي اقترضه مني، وأنا لم أطلبه، لكنه توقف عن كتابة أي شيء سلبي عن عمالة المحمدية.
صدقة جارية: مشروع سكني لموظفي عمالة المحمدية
في 2011، ساعد العامل دادس جمعية الأعمال الاجتماعية لموظفي العمالة على اقتناء قطعة أرض من الأملاك المخزنية بثمن مناسب جدًا، لإطلاق مشروع سكني شامل (من سكن اقتصادي إلى فيلات) بأسعار أقل من السوق.
بعد فترة، تمكن عدد كبير من الموظفين من الحصول على سكن هادئ ومحروس في موقع ممتاز بالمحمدية، مشروع يبقى شاهدًا على حسّه الاجتماعي.
كان دادس حريصًا على دعم الصحافيين والمراسلين القاطنين بالعمالة، لضمان استفادتهم بشكل شفاف من المشاريع التي تشرف عليها المؤسسات العمومية. طلب مني إعداد لائحة بالمستفيدين المحتملين دون استثناء أو إقصاء، وهو ما قمت به بأمانة.
لكن العامل غادر عمالة المحمدية قبل تنفيذ المشروع بالكامل، الذي كان سيخفف من أعباء الكراء ويؤمن سكناً مطمئنًا للصحافيين وأسرهم.
لقاءات مستمرة
استمرت علاقتي مع العامل دادس، خاصة في المناسبات. في 2015، هاتفته لأهدي له نسخة من كتابي "أنا والسرطان"، واستقبلني بحفاوة في مكتبه بوزارة الداخلية، وساعدني في حل مشكلة تتعلق بطلب إنهاء فترة إلحاقي بالوزارة، بعد إصابتي بالسرطان والاستفادة من رخصة صحية طويلة الأمد.
الجميل أن القدر جمعني مجددًا مع الأخ دادس سنة 2021 بعد تعيينه بعمالة الدار البيضاء آنفا، وحكاية هذه الفترة الممتدة أربع سنوات سأرويها في الحلقات القادمة.


