تُعد المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي أُطلقت سنة 2005، من أبرز الأوراش الكبرى التي انخرط فيها المغرب في مجال التنمية الاجتماعية. وقد هدفت، منذ انطلاقتها، إلى محاربة الفقر والهشاشة والإقصاء، وتحسين ظروف عيش المواطنين، مرتكزةً على فلسفة جوهرها وضع الإنسان في صلب العملية التنموية.
وقد جاءت هذه الرؤية بمبادرة من الملك محمد السادس، في سياق اتسم بتحديات اجتماعية عميقة، حيث أكد في خطاباته السامية على ضرورة تعزيز الكرامة الإنسانية، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وترسيخ العدالة الإجتماعية. فكانت هذه التوجيهات الملكية الأساس المتين الذي قامت عليه فلسفة المبادرة.
غير أن سياسة الإعتراف تقتضي أيضا تسليط الضوء على مختلف الفاعلين الذين ساهموا في تنزيل هذه الرؤية على أرض الواقع. وفي مقدمتهم المسؤولون الحكوميون، ومن بينهم شخصيات ما تزال على قيد الحياة، مثل السيد محمد حصاد والسيد شكيب بنموسى، أطال الله في عمرهما، واللذان يمكن أن يقدما شهادات قيمة حول مراحل بلورة وتنفيذ هذه المبادرة. فقد كان لهؤلاء دور بارز في تحويل الرؤية إلى برامج عملية وآليات حكامة فعالة.
كما ينبغي التعريف بالشخصيات المهتمة بالمجال الاجتماعي والإنساني، والتي ساهمت بجهودها في إنجاح هذا الورش الوطني، إضافة إلى إبراز دور الشخصيات الفكرية، وطنية كانت أو دولية، التي أثرت هذا التوجه. إذ لم تتشكل فلسفة المبادرة في بعدها الوطني فقط، بل استلهمت أيضا من نظريات كبرى في مجال التنمية البشرية، مثل أعمال محبوب الحق، صاحب مفهوم التنمية البشرية ومؤشرها، إلى جانب إسهامات اقتصاديين دوليين كجيفري ساكس، الذين كرسوا جهودهم لمحاربة الفقر على الصعيد العالمي.
ولا يمكن إغفال الدور المحوري للمؤسسات الدولية، كبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والبنك الدولي، التي ساهمت في نشر هذا المفهوم، وقدمت دعمًا نظريًا وتقنيًا وماليًا عزز من تنزيل المبادرة على أرض الواقع.
كما يشكل المجتمع المدني ركيزة أساسية في هذا المسار، إلى جانب الأطر والمسؤولين الذين اشتغلوا بالتنسيقية الوطنية للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ومن بينهم العامل عزيز دادس، وغيرهم من الكفاءات التي ساهمت بإخلاص في إنجاح هذا الورش.
إن فلسفة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية هي ثمرة تفاعل متكامل بين إرادة سياسية وطنية قوية، وإسهامات فكرية دولية، ودعم مؤسساتي متعدد المستويات. وهي تقوم على مبدأ أساسي مفاده أن التنمية لا تختزل في النمو الإقتصادي فحسب، بل تروم، قبل كل شيء، تحسين جودة حياة الإنسان وصون كرامته.
وتفضلوا بقبول فائق عبارات التقدير والإحترام.


