لا تنفك وزارة الشباب والثقافة والتواصل في ضخ الأموال في هوايتها المفضلة المتمثلة، بتنزيل ملتقيات ومناظرات لمقاربة طيف مشكلات بسيطة وواضحة وضوح الشمس في نهار مغربي... وهنا يأتي الإعلان عن تنظيم 77 لقاء إقليميا تحت مسمى "لقاء خميس المناظرة" ليعيد إلى الواجهة تلك المعضلة الأزلية التي تعاني منها السياسات العمومية في بلادنا، وهي معضلة " الاحتفال بالشفوي" ونسيان الغاية".
إن المشهد الذي يتصدره الوزير محمد المهدي بنسعيد وهو يروج مؤخرا لأنشطة أ قليمية بلغة حداثية منمقة عن "الالتقائية الترابية" و"المقاربة التشاركية" ليس في حقيقته سوى إعادة تدوير لطقوس بيروقراطية عتيقة ارتدت ثوبا عصريا لتمرير العجز الهيكلي عن إحداث تغيير حقيقي في صلب حياة الشاب المغربي. فنحن هنا لسنا أمام ورشة عمل وطنية لإنتاج الحلول، بل أمام "ماراثون" استعراضي غايته الأساس هي ملء الفراغ التدبيري بضجيج الاجتماعات وصخب الصور الملتقطة في القاعات البعيدة عن نبض الشباب وهموم المجتمع المدني، وفي هذا الصخب تظل دور الشباب في المداشر والمدن الصغرى وحتى الكبرى تعاني اليتم المؤسساتي والهجران القسري. إن واقع هذه الدور لا يحتاج إلى "منظار" بنسعيد ولا إلى 77 محطة لاكتشافه، فالاختلالات موثقة في تقارير رسمية وميدانية تصرخ منذ سنوات بوجود بنايات متهالكة تفتقر لأبسط شروط السلامة، وأجهزة حاسوب أصبحت قطعا أثرية، وقاعات رياضة ومسرح تحولت إلى مخازن للمتلاشيات. إن العجز الحقيقي يكمن في غياب الأطر التربوية المؤهلة، حيث تجد دورا يسيرها موظف واحد يشغل مهام المدير والحارس والمنشط، بينما تظل البرامج موسمية تظهر مع المناسبات وتختفي مع رحيل الوفود الرسمية، في غياب تام لاستراتيجية وطنية تجعل من هذه الفضاءات مراكز جذب للابتكار والإنتاج عوض أن تكون جدرانا باردة تعيد إنتاج اليأس.
هذا المسار الاستعراضي الذي يسلكه بنسعيد اليوم، يسلكه أيضا في نموذج آخر من "البهرجة" المؤسساتية الوزير برادة في وزارة التربية الوطنية عبر ما سمي "منتدى المدرس" بتعاون مع يوسف البقالي الذي كلف بالسهر على ماهو اجتماعي في قطاع التربية فحول مؤسسة محمدالسادسللنهوضبالأعمالالاجتماعيةللتربيةوالتكوين إلى مديرية تابعة للوزارة، تضخ أموال المنخرطين في مشاريع بيداغوجية ولوجستيكية بعيدا عن القانون المنظم لها...والمنخرطون في أمس الحاجة إلى توسيع الخدمات الاجتماعية والصحية، ويصارعون الزمن لتغطية مقرر دراسي يلهث خلفه الجميع، وتئن المدارس تحت وطأة غياب الوسائل الديداكتيكية البدائية.
نعم نفس العقل الذي يراهن على ضوضاء الجموع في 77 لقاء إقليمي، هو نفسه من تفتقت عبقريته عن تنظيم "منتدى" فخم، صرفت فيه الميزانيات على السجاد الأحمر والندوات النخبوية التي تناقش جودة التعليم في قاعات معزولة صوتيا عن ضجيج الأقسام المكتظة.
نعم... إنها نفس العقلية التي تعيد إنتاج نفسها.. حيث يراد للمدرس أن يشعر بـ "التقدير" عبر بطاقة دعوة ووجبة غداء فاخرة للمحظوظين، بينما يظل واقعه المهني والاجتماعي معلقا بانتظار إصلاحات حقيقية لا تذوب في قوارير المياه المعدنية الموزعة على الحاضرين.
وتكتمل فصول هذا العبث حين نكتشف أن السيولة التي تجف فجأة أمام مستحقات المدرسين وترقياتهم المجمدة لسنوات، تتدفق بغزارة مريبة لتسقي عطش المنتديات والكرنفالات الخطابية، فبينما تُشهر الوزارة في وجه الشغيلة التعليمية ورقة العجز المالي وتماطل في تنفيذ الالتزامات المادية بحجج واهية، نجدها تبذر الملايين على لوجستيك باذخ، وكأن كرامة المربي تسترد بالخطابات وليس بإنصافه في حقوقه المشروعة.
والمثير للدهشة في هذا المسار التدبيري الملتوي هو الدور الضبابي لمؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للتربية والتكوين بقيادة يوسف البقالي، التي يبدو أنها ضلت طريق اختصاصاتها الأصلية؛ فعوض أن تكون الدرع الواقي الذي يخفف العبء عن كاهل المدرس عبر خدمات اجتماعية ملموسة، نراها تنخرط في تمويل ودعم تظاهرات بروتوكولية لا تغني ولا تسمن من جوع، وتساهم في هذا الهدر الذي يخدم الأجندة التواصلية للوزارة أكثر مما يخدم الاستقرار الاجتماعي لنساء ورجل التعليم.
إن تحول مؤسسة اجتماعية، يُفترض أن تُدبر أموال المنخرطين بمنطق التضامن، إلى شريك في تبديد الموارد على منصات الخطابة، هو قمة العبث، فالمدرس المغربي اليوم لا يبحث عن منتدى يُنظّر في جودة أدائه، بل يبحث عن سيولة تفرج عن ترقياته المحتجزة في دهاليز الميزانية...
حتى لا ننسى، لنعظ إلى وزارة بنسعيد، الرقم 77 الذي يبدو في البلاغات الصحفية كإنجاز لوجستي ضخم، هو في الواقع صك اعتراف بأن الوزارة لا تملك تصورا مركزيا شجاعا، وتأخرت سياسيا... وعادت لتختبئ خلف التشاور الإقليمي لتذويب المسؤولية وتشتيت المحاسبة على خارطة جغرافية واسعة، ليصبح الفشل في نهاية المطاف مجرد سوء فهم محلي أو غياب التقائية بين المصالح الخارجية.
إن لغة الالتقائية التي يرفعها بنسعيد كتميمة سحرية لكل تعثر، تحولت مع مرور الوقت إلى جدار برلين إداري يفصل بين الوعود والواقع، فالمصطلح الذي يفترض أن يعني تنسيق الجهود وتوحيد الميزانيات وتكامل الأدوار، أصبح في العرف الوزاري الحالي مبررا جاهزا لتعليق الإخفاقات على مشاجب الآخرين. فإذا كانت مؤسسة شبابية تفتقر لأدنى شروط الاستقبال، فالعذر هو انتظار الالتقائية مع المجالس المحلية، وإذا غابت البرامج التأطيرية، فالسبب هو عدم نضج الالتقائية مع القطاعات الشريكة. هكذا يتحول المفهوم التدبيري من أداة للفعل إلى وسيلة للتنصل، ويصبح خميس المناظرة مجرد محطة لتكريس هذه اللغة الخشبية التي تتقن فن القول دون الفعل. والمفارقة الصادمة هنا تكمن في كلفة هذا الشفوي المبالغ فيه....فتنظيم 77 لقاء على الصعيد الوطني يستلزم تعبئة مالية ولوجستيكية وبشرية ضخمة، وهي موارد كان من الأجدر أن توضع مباشرة في يد المنشط السوسيو-ثقافي الذي يصارع في قبو دار شباب مهترئة، أو في يد جمعية جادة تحاول انتشال مراهق من براثن الضياع في حي هامشي. إننا أمام هدر منظم للزمن السياسي والمال العام، حيث تنفق ميزانية التجهيز والتشغيل على تسويق فكرة العمل بدل العمل نفسه، مما يخلق فجوة ثقة سحيقة بين جيل يرى العالم يتغير بضغطة زر، ووزارة لا تزال تؤمن بأن الندوة هي الحل النهائي لكل المعضلات. السياسة بمدلولها الجماهيري ليست هي القدرة على صياغة جمل مفيدة في البلاغات، بل هي القدرة على إحداث فرق في يوميات الناس، والواقع اليوم يخبرنا أن مؤسسات الشباب المغربية تعيش حالة من الموت السريري خلف واجهات مدهونة حديثا بصباغة الالتقائية.
فما الذي يحتاجه بنسعيد ليعرفه ولم تقله له عشرات التقارير الصادرة عن المجلس الأعلى للحسابات أو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي؟ هل يحتاج فعلا لـ 77 محطة ليكتشف أن دور الشباب أصبحت جدرانا بلا روح، وأن الأطر الإدارية تعيش إحباطا مزمنا بسبب غياب التحفيز والوضوح في الرؤية؟ إن هذه البهرجة التواصلية تحاول تغطية حقيقة مرة، وهي أن الوزارة تفتقد للإرادة السياسية التي تقتحم أعشاش الدبابير البيروقراطية وتفرض التغيير بالقوة المؤسساتية لا بالخواطر الإقليمية. الشاب المغربي الذي يتابع هذه اللقاءات عبر شاشات هاتفه وهو جالس في رأس الدرب أو في مقهى بئيس، لا يرى نفسه في تلك الكراسي الوثيرة، بل يرى عالما موازيا يتحدث عنه ولا يتحدث معه، يرى لغة أكاديمية جافة تصف هشاشته بمصطلحات تقنية باردة، بينما تظل يده ممدودة لفرصة عمل أو تكوين أو حتى فضاء نظيف لممارسة هواية بسيطة. إن تحويل الشباب إلى ملف بيروقراطي يتم تداوله في اللجان واللقاءات هو أكبر عملية إقصاء ناعم يمكن أن يتعرض لها جيل بأكمله. علاوة على ذلك، فإن خميس المناظرة يعكس عقلية الوصاية التي تأبى أن تندثر، حيث يتم استدعاء عينات من الشباب لتأثيث القاعات ومنح صكوك الغفران للقرارات الوزارية، في مشهد يذكرنا بأساليب قديمة كانت تعتمد على الحشد لإظهار الإجماع الوطني حول سياسات فاشلة. إن المقاربة التشاركية الحقيقية لا تبدأ من اللقاءات والقاعات الكبرى ومناظرات الزمن السياسي الميت، بل تبدأ من الميدان، من الإنصات لنبض الشارع الذي يصرخ بأن النموذج الحالي لمؤسسات الشباب قد استنفد أغراضه وأصبح متجاوزا. بنسعيد الذي يمتلك جرأة التواصل الرقمي، يفتقر حتى الآن لجرأة القطيعة مع الأنماط التدبيرية العتيقة التي تستهلك الميزانيات في اللوجستيك أكثر مما تستهلكها في المحتوى. فما قيمة أن ال 77 لقاء إقليما إذا كانت المخرجات هي نفسها التوصيات التي كتبت قبل عقد من الزمن؟ وصاغتها الجمعيات الوطنية، بل صاغها حتى أطر الوزارة في تقارير تحتاج فقط لتنزيل توصياتها؟
وما معنى أن تتحدث عن الرقمنة في لقاءات تدار بعقلية المحاضر والسبورة والطباشير؟ إن ما يحدث هو نوع من الاستهلاك السياسي الذي يهدف لترميم صورة الوزير والقطاع في أعين الرأي العام، دون مس جوهر الاختلالات البنيوية التي تجعل من دار الشباب مكانا منفرا للجيل الحالي الذي يبحث عن التفاعل والحرية والإنتاج، وليس عن التوجيه والدروس والمواعظ الإدارية. إن هذه السياسة القائمة على اللقاءات الماراطونية تكرس واقع المركزية المقنعة، حيث يعطى الانطباع باللامركزية عبر التنقل للأقاليم، بينما تظل القرارات والميزانيات والخطوط العريضة محصورة في مكاتب الرباط الضيقة. إن الالتقائية لا تبنى بالترف اللغوي والموائد المستديرة، بل تبنى بنظام معلوماتي موحد، وبمساطر إدارية مرنة، وبحكامة تربط المسؤولية بالمحاسبة ميدانيا.
أما الاستمرار في إنتاج الضجيج التواصلي، فهو لا يزيد الوضع إلا تأزما، لأنه يرفع سقف التوقعات لدى الشباب، وعندما يصطدم هؤلاء بالواقع المرير لمؤسساتهم المحلية، تتحول الخيبة إلى غضب، والثقة إلى قطيعة. إن الوزارة اليوم مطالبة بوقف هذا النزيف من اللقاءات الصورية والالتفات إلى جوهر المهمة: إعادة الروح لمرافق الدولة الشبابية، وتوفير الكرامة المهنية للأطر، وفتح الأبواب للشباب ليقودوا مؤسساتهم بأنفسهم بعيدا عن وصاية المنتخب والسياسي والحزبي بل وحتى الجمعوي المحزب.
إن زمن الخميس والمناظرة كأدوات لتصريف الوقت يجب أن ينتهي، ليبدأ زمن الإنجاز الذي يقاس بعدد الدورات التكوينية الحقيقية، وعدد الشباب المدمجين اقتصاديا، وعدد الفضاءات الثقافية التي تعمل على مدار الساعة. وبدون ذلك، ستظل الـ 77 لقاء مجرد رقم في سجل الخيبات المغربية الكبرى، وستظل الالتقائية مجرد نكتة سمجة تتردد في كواليس الإدارة بينما يغرق الواقع في شتاته. وبناء على هذا المسار التدبيري المطبوع بالاستعراض، نجد أن قطاع الشباب يسير في نفق مسدود من التواصل الفائق والنتائج الهزيلة، حيث أصبح المهدي بنسعيد رهينا للصورة الذهنية التي يريد تسويقها كمسؤول ديناميكي، غافلا عن أن الدينامية الحقيقية هي التي تحدث زلزالا في البنيات التحتية والذهنيات الإدارية. إن الاكتفاء بتشخيص المشخص عبر 77 لقاء هو إهدار للذكاء الجماعي للمغاربة، واستهتار بالزمن التنموي الذي لا ينتظر أحدا. إننا لا نحتاج لمناظرات لنعرف أن الشاب في فجيج أو سيدي إفني أو الفنيدق يشعر بالتهميش، بل نحتاج لميزانيات تصل إلى هناك، ولأطر كفؤة تعين هناك، ولبرامج تحترم خصوصية كل منطقة. إن الالتقائية الحقيقية هي التي تجعل من دار الشباب مركزا للحياة وليس مجرد بناية تابعة لوزارة ما، هي التي تمحو الحدود بين الثقافة والرياضة والتكوين المهني داخل فضاء واحد يحترم إنسانية الشاب. أما الاستمرار في هذا المسار الكرنفالي، فهو ليس سوى تبديد للموارد في زمن الأزمة، وتكريس لسياسة الواجهة التي تزوق القشور وتترك اللب ينخر فيه السوس. إن التاريخ القريب للسياسات العمومية في المغرب مليء بهذه اللقاءات الكبرى التي انتهت إلى لا شيء، والخشية كل الخشية أن يكون مصير لقاءات الخميس هو سلة المهملات، بعد أن تكون قد التهمت من ميزانية الدولة ما كان يكفي لإحداث ثورة صامتة في قطاع لا يزال ينتظر من يخرجه من غرفة الإنعاش البيروقراطية.
ويظل السؤال المعلق فوق رؤوس المسؤولين بوزارة الشباب: متى سننتقل من تدبير اللقاءات إلى تدبير النتائج؟ ومتى ستكف لغة الالتقائية عن كونها درعا للاختباء وتصبح جسرا للعبور؟ إن الشارع المغربي لم يعد يبتلع طعم اللقاءات التشاورية التي تنظم بمنطق الولاية والانتخابات، بل أصبح يطالب بمحاسبة واضحة على كل درهم ينفق وعلى كل ثانية تضيع في القاعات والفنادق. إن 77 لقاء قد تكون كافية لكتابة رواية إدارية طويلة ومملة، لكنها قطعا لن تكون كافية لإقناع شاب واحد بأن مستقبله يبنى في خميس المناظرة. إن المصداقية لا تشترى بالملصقات الملونة ولا بالشعارات الحداثية، بل تنتزع بقرارات جريئة تنهي زمن العبث التدبيري وتعيد الاعتبار لمؤسسات كانت يوما منارة للوعي والتربية، قبل أن يحولها هواة التواصل إلى مجرد ديكورات في مسرحية الإصلاح الذي لا يأتي. إن المشكلة ليست في نقص الموارد، بل في سوء توجيهها...حيث تمنح الأولوية لكل ما هو بصري ودعائي، بينما تحجب عن كل ما هو بنيوي وحقوقي. إن الربط بين خميس بنسعيد ومنتدى برادة يكشف عن عقيدة حكومية موحدة تؤمن بالمسكنات الكلامية والمحافل الاستعراضية كبديل عن الإنجازات الميدانية الصعبة. وفي هذه المتاهة، تضيع حقوق المدرسين في الترقي، وتضيع أحلام الشباب في مرافق لائقة، وتضيع أموال المنخرطين في مؤسسة يوسف البقالي بين طيات السجاد الأحمر ومكبرات الصوت، في انتظار إرادة سياسية حقيقية تضع حدا لهذا المهرجان الإداري المفتوح على حساب جيوب المواطنين وأعصابهم.
إن الرأي العام المغربي اليوم يتابع بدقة كيف تبذر الأموال تحت ذريعة التفكير والنقاش، بينما الحلول جاهزة والملفات ناضجة تنتظر فقط جرأة التوقيع وسيولة القرار، لا سيولة الكلام والمنتديات التي لا تترك وراءها سوى صدى الأصوات في القاعات الفارغة.
خالد أخازي، كاتب وإعلامي


