الأحد 11 يناير 2026
خارج الحدود

إدريس الفينة: غرينلاند والدنمارك.. من الاستعمار إلى الحكم الذاتي الموسع (1)

إدريس الفينة: غرينلاند والدنمارك.. من الاستعمار إلى الحكم الذاتي الموسع (1) إدريس الفينة وفي الخريطة " غرينلاند"
تبدو العلاقة بين الدنمارك وغرينلاند، للوهلة الأولى، هادئة ومستقرة، محكومة بنصوص قانونية واضحة ونظام حكم ذاتي متقدم. غير أن هذا الهدوء يخفي وراءه تاريخاً طويلاً من الاختلالات والتوترات الصامتة، جعل من هذه العلاقة واحدة من أكثر العلاقات “المؤجلة” في أوروبا المعاصرة، حيث لم يُحسم الماضي بعد، ولم يُحسم المستقبل كذلك.
 
بدأت الصلة بين الطرفين في القرن الثامن عشر في سياق استعماري كلاسيكي، حين بسطت الدنمارك نفوذها على جزيرة شاسعة ذات مجتمع صغير ومعزول. ومنذ ذلك الحين، تشكلت العلاقة على قاعدة غير متكافئة: مركز أوروبي يقرر، وأطراف قطبية تُدار. لم تكن السيطرة الدنماركية عنيفة بالمعنى العسكري، لكنها كانت عميقة الأثر، إذ مست الاقتصاد والثقافة واللغة وأنماط العيش، ووضعت المجتمع الغرينلاندي في موقع التابع لا الشريك.
 
بعد الحرب العالمية الثانية، دخلت العلاقة مرحلة جديدة حين قررت الدانمارك دمج غرينلاند دستورياً داخل المملكة. قُدّم القرار آنذاك باعتباره خطوة تحديث وإنهاء للاستعمار، لكنه تم دون استشارة شعبية حقيقية، ما ترك لدى الغرينلانديين إحساساً بأن هويتهم وخصوصيتهم أُذيبت في إطار سياسي لم يختاروه بالكامل. ومع مرور الزمن، تحوّل هذا الإحساس إلى وعي سياسي جماعي، يرى أن “الاندماج” لم يكن نهاية الاستعمار، بل شكلاً أكثر نعومة منه.
 
تفاقم هذا الشعور بفعل سياسات اجتماعية وصحية وتعليمية مثيرة للجدل، طُبّقت في غرينلاند بعقلية الوصاية لا الشراكة. هذه السياسات، التي اعتُبرت في حينها إصلاحية، تُقرأ اليوم في الذاكرة الجماعية كقرارات فُرضت من فوق، دون احترام كافٍ لإرادة السكان أو نمط حياتهم. ومع أن الدنمارك اعترفت لاحقاً ببعض أخطاء تلك المرحلة، فإن الندوب الرمزية بقيت حاضرة.
 
منح الحكم الذاتي لغرينلاند في أواخر السبعينيات، ثم توسيعه بشكل كبير سنة 2009، شكّل نقطة تحوّل حاسمة. فقد اعترفت الدولة الدنماركية عملياً بأن الصيغة القديمة للعلاقة لم تعد قابلة للاستمرار. لكن هذا التطور، على أهميته، لم يُنهِ التوتر، بل أعاد صياغته في شكل جديد: غرينلاند تملك اليوم سلطة سياسية واسعة، لكنها لا تزال تعتمد اقتصادياً على الدعم الدنماركي، وهو ما يخلق مفارقة دائمة بين الطموح إلى الاستقلال والحاجة إلى الاستقرار المالي.
 
اليوم، لا يمكن وصف العلاقة بين الطرفين بأنها علاقة أزمة مفتوحة، لكنها أيضاً ليست علاقة مصالحة مكتملة. إنها علاقة معلّقة بين ماضٍ استعماري لم يُغلق بالكامل، وحاضر مؤسساتي هادئ، ومستقبل تُلوّح فيه فكرة الاستقلال كلما تغيّرت موازين الجغرافيا والاقتصاد في القطب الشمالي. فغرينلاند، بما تختزنه من موقع استراتيجي وثروات طبيعية، لم تعد جزيرة هامشية، بل أصبحت ورقة كبرى في لعبة دولية متسارعة.
 
في هذا السياق، تبدو العلاقة بين الدنمارك وغرينلاند أقل شبهاً بعلاقة دولة بإقليم تابع، وأكثر شبهاً بعقد تاريخي لم يُعاد التفاوض عليه نهائياً. عقد يضمن الاستقرار في الحاضر، لكنه يترك الباب مفتوحاً أمام سؤال جوهري لم يُجب عنه بعد: هل يمكن لهذه العلاقة أن تستمر بصيغتها الحالية، أم أن الزمن يعمل بهدوء لصالح فصل سياسي كامل لم يُعلن موعده بعد؟